الأربعاء، 2 نوفمبر، 2011

يهمني الإنسان | حاتم عرفة

الفيديو الختامي الذي قمت بعرضه في نهاية الكلمة التى ألقيتها بمؤتمر : "تيدكس طنطا" والتي تحدثت فيها عن مشروع : "الصورة حكاية" .

لطفاً شاهده : HQ

الأربعاء، 7 سبتمبر، 2011

حاتم عرفة .. خلطة فنية بنكهة إسكندرانية


حوار صحفي بجريدة وشوشة ، بتاريخ : 6 / 9 / 2011
شكراً : إلهام الجمال :)

الخميس، 4 أغسطس، 2011

عن الوجع ، باستفاضة ..



عن الوجع ، باستفاضة ..

.
.
النهاردة ، لبس الماسك ورقص معاها رقصة طويلة قوي
رقصة كان مستنيها من سنين
مع إنه مابيكرهش في الدنيا كلها كلمة زي كلمة: "من سنين" دي !
مابيحبش أي شيء ياخد وقت طويل ..
ومش بيعترف بإن الصبر مفتاح لأي حاجة ...!
مفيش أي حاجة تستاهل انها تاخد وقت معاه ،

عشان كدة اتضايق جدا ان في حاجة واحدة بس وبعد كل لفه ودورانه ..
فضلت حواليه ..

وبعد ما كان فاكـر إنها مابقتش غير نقطة صغيرة قوي لا يمكن تحتويه ،
كان هايتجنن ..
أو هو فعلا اتجنن ..
لما لقى إن كل جريه ونطاته ووقوعه وأسفاره، كان جوه دايرتها ..!
فحس قد ايه هو ضئيل ، وهشّ ..

كتر تفكيره فيها ، خلاه يكفر بيها ، وطول بعده عن قلبها خلّى أسباب كفره بيها تزيـد ، بقى محتاج ينزل عليها الوحي عشان تقدر تهديه ليها، وهي أوهى من حمل رسالة واحدة ليه ..!

وهو بيرقص معاها ، كان زي العادة عاوز يقولها كلام كتييييير ، وماقالش ولا كلمة .. كان عاوز يقولها ان محاولاته للتخلص منها كوميدية قوي، مابتجيـبش أي فايدة ، كل الطوب اللى بيبنيه حيطة بينه وبينها بيقع زي الورق أوّل ما يشوفها ..

قعد يحلف لنفسه: يا ابني دول سنين يا ابني .. سنيييييين ..
فاكس يعني ، انت مش بتاع المسافات الطويلة دي !

الكوميديا بقى إنه بيصرّخ في نفسه كل الصريخ ده وهي في حضنه ، وأثناء ما بيرقص معاها رقصته الأولى اللى بيحاول يقنع نفسه إنها هتكون الأخيرة ..!

كانت عينيه بتصرّخ فيـها: عارفة انا قـتلتك كام مرة قبل كدة ؟
عارفة صحيت مـ النوم كام مرة وبصيت على شكلي في المراية وفي عينيا تحديداً، عشان اتأكد انك مابقتيش جواهم ؟
واقعد احلفلي انك مش فيهم ؟

عارفة كام مرة باقنع نفسي مع كل بنت حلوة أشوفها بإنها أجمل منك ؟
وقد ايه قعدت أجمّعهم مع بعض كدة، بالظبط زي ما كنت باحب العب بشرايط الكاسيت وانا صغير .. وارصّهم فوق بعض بعشوائية ، واتفاخر بكترهم وتكوينهم كجسم كبير عملاق ، يخليكي جنبهم ضئيلة قوي ؟

متخيلة مدى الكوميديا في انك تيجي وتسحبي شريط واحد منهم فيروحوا واقعين كلهم مدشدشين كأنهم لا شيء ، وتتفرجي عليا بسخرية ..
وعند ..
وبراءة في نفس الوقت ؟

لفت إيديها حوالين رقبته ، وعينيها كانت ابسط بكتير ، مافيهمش كمية الدوشة والصداع اللى في عينيه ، مافيهاش غير شمس ، شمس بتحرق عينيه قوي ،
دايماً كان بيقولها إنها بنت الشمس ،
ولا يقدر يقربلها ولا يقدر يعيش من غيرها ،
تفسير كلاسيكي جداً ، وممل ، جايز ..
لكن زيه زي كل تحليلاته الخرقاء (حلوة خرقاء دي) مابيوصلّوش لأي حاجة ..!

ولذلك توقف عن كل شيء ، وساب الماسك البارد الجامد على وشه ، وساب نفسه يدوب حواليها ، واستمر في الرقص ..
ومع كل خطوة ، كانت آخر نقط دم في قلبه ، اللى اتصفّى تماما أو يكاد ..
بترسم دواير على الأرض ورا خطواته الطفولية جداً ..اللى عمرها ما رقصت قبل كدة !


الاثنين، 6 يونيو، 2011

مـاسوشيـة

مـاسوشيـة


هوباااا .. وإذ فجأةً كدة من أول العنوان تلاقي اللى بيقروا قلبوا صنفين : الصنف الأولاني: العالم المثقفين بقى ولاد الـــ .... دول اللى دايماً تلاقيهم كلهم - ما عدا انا وانت - فاهمين كل حاجة وطبعاً بتلاقيهم مستنفخين أي حاجة كدة طول الوقت ، والصنف التاني: ولاد الــ ... اللي مش فاهمين اي حاجة في أي حاجة، ومعندهمش أي استعداد يعملوا سيرش عن حاجة عشان يعرفوها بنفسهم، وطبعاً بالتالي بيبقوا مستنفخين برضه أي حاجة مش فاهمينها، وفي هذه الحالة تضطر تاخدهم على جنب كدة وتقولهم في ودنهم على زتونة الموضوع، الماسوشية دي اللى هيا "حالة تصيب الشخص تجعله يميل لأن يكون مظلوما دائماً، ويعرض نفسه بوعي أو بغير وعى للإهانة والإيذاء النفسي والبدنى، وعلى الرغم من شكواه الدائمة من الظلم والقهر إلا أنه لا يكف عن السلوك الذي يعرّضه دائما لكل هذا" .. وطبعا ده شرح مخلّ جداً يعني فلازم لا مؤاخذة تهز صوابعك وتروح تاخد فكرة أعمق عنها، عشان هي مش هاتفيدنا خالص أصلا في كلامنا دلوقتي ...

المهم المعلّم ده بقى ، بعد ما قفل معاها، دخل نام عادي جدا، وهو قرفان من نفسه شوية، بس هايعمل ايه يعني ؟ هو عيل نحس لو بص عـ السما وهو ماشي رجله بتكعبل في أول مستنقع، ولو بص عـ الأرض، بيقع على قفا أمه أي حاجة مـ السما .. فخلاص هو اتعود عـ الفقر ده ومابقاش بيزعل، في اتفاق خفي كده تم بينه وبين القدر، انه تحصله حاجات غريبة قوي تطيره لفوق في لحظة، وحاجات بت كلب تانية توقعه على جدور رقبته في لحظة برضه، هو بيحب لحظة الانطلاق دي .. لحظة الانعتاق والتحرّر، ماينفعش الطيارة تطير علطول، لازم تنزل وتطلع، تنزل وتطلع، وإلا يبقى ايه معنى الطيران كدة لو مجربش الأرض ؟ ايه معنى الحرية لو مجربش القيد ؟ ايه معنى الكفاءة لو ماخدتلكش قفا متين من حين لآخر ؟ خُلقنا لـ نتزاول كما قال مكسيم جوركي ..

بس لأ ماتوصلش لدرجة إنه يقعد يحلق دقنه بالغشومية دي ويعوّر نفسه كدة ؟ ماتوصلش لدرجة إنه يكون سلبي ومتبلّد تماما وهو شايف نقط دمه في الحوض بتغير لون المية ورغاوي كريم الحلاقة .. ومعندوش أي مشكلة يعني ! ماتوصلش لدرجة الانفصال التام ده بينه وبين نفسه ! ماشي يعني ماسوشية و جو الأفورة اللى الواحد بيحب يعيشه مع نفسه ده، ويكأن العالم بيتشكل من حواليه وهايهتم قوي بأم إحساسه ده يعني .. إشطا .. بس كدة الموضوع قلب بجد ، والموس ماعادش له كبير .. وماشي ماشي ومستمر في الإيذاء والتجريح وماعادش بطلنا يدي لكل ذلك أي اعتبار .. ويكأنه بيتفرّج على نفسه في شاشة عرض عملاقة ..

أم السلبية يا جدع ، أما تبقى مأنتمة مع الماسوشية ..

وبس خلاص !

الخميس، 21 أبريل، 2011

أيــمــــن

أيــمــــن

(1)

رأيته قادماً في اتجاهي فأدركت أن اليوم لن يكون سهلاً، سألت نفسي لائماً عن سبب مروري بشارعهم الآن، وأنا أعرف الإجابة ... أسرعت الخطا تجاهه وصافحته واحتضنته، سمعته يغمغم بعبارات اللوم التي اعتدت سماعها منه في المرات القليلة التي قابلته فيها خلال العام الأخير، حيث هجرت بيتي القديم القريب منهم وانتقلت للمعيشة بمكان آخر، لامني على عدم سؤالي عنهم واختفائي، فاعتذرت له بحجج أوهى من أن أكمل جُمَلها لآخرها، حاولت تغيير دفة الحديث بسؤالي عن أخباره وتهنئته بالعيد، دعاني لركوب سيارته حيث سينتظر أفراد عائلته الذين سينزلون بعد قليل، يرتب السيارة من الداخل ويلقى ببعض الأوراق خارجها ويمسح زجاجها، دعوته أن يلتهم معي الساندوتشات التي كنت أحملها، وشرعنا في الحديث ...

(2)

يرتدي جلبابه الأبيض النظيف وغطاء الرأس الذي يبدو كبيراً على رأسه الصغيرة، يعاون أقرانه في فرش الحصر أمام المسجد في نشاط وقد بدأ الخطيب في أداء خطبته، ينظر تجاهي من حين لآخر وهو يغير ملامح وجهه ليضحكني فأتجهم لأغيظه ॥ ثم أبتسم ما أن يبعد نظره عني، أقوم وأساعده في فرش بضعة حصر أخيرة، وأشير له أن يجلس ويكف عن الحركة، فيضع سبابته أمام فمه محذراً إياي من التفوه بحرف طالما الخطبة تؤدُّى .. فأبتسم رغماً عني وأرغمه على الجلوس بجواري وأنا أوكزه تحت إبطه فيلتصق بي بحركة لا إرادية وهو يضحك، فأكتم فمه قبل أن تعلو ضحكته .. وأضمه لنستمع إلى الخطبة ..

(3)

سألني عمّا جاء بي إلى بيتنا القديم، فحدثته عن رغبتي في الانفراد بكتبي وأوراقي لبعض الوقت ॥ وفي بالي فكرة قصة لم أكتب حرفاً منها بعد، جرَّنا الكلام إلى الحديث عن الأمر رغماً عني، سرعان ما وجدتني في موضع الحكيم والناصح وأنا من ذلكما بريء، تلعثمت وأنا أتكلم ثم تذكرت مشهداً في إحدى أفلام عبد المنعم مدبولي حين كان طبيباً نفسياً، وأتاه رجلٌ قصيرٌ ليعالج من عقدة قصره، فأخبره أن يكرر جملة : " أنا مش قصير أزعة ، أنا طويل وأهبل " عدة مرات وحينها سيجد نفسه أطول بالفعل .. فضحكنا ضحكة منقوصة، ثم أكملت: أن هذا الأسلوب في العلاج يكون حقيقياً أحياناً حين نتعامل مع ما نحس، فالإيحاء يجعل خواطرنا أكثر سلبية أو إيجابية، ولو أخذت تردد أنك لن تقدر على تحمل الأمر و .......... واستمررت في ذلك الحديث المعلّب وهو يهز لي رأسه بالفهم ليظهر اقتناعه بما أقول، ولكني شعرت بحروفي تتخبط وتتهاوى من فمي بلا وعي مني .. وددت لو أخبره أنني قلت كل هذا الكلام لنفسي طويلاً بلا جدوى! ولكني تركت الكلام الفارغ يسد ما قد يحدثه الصمت في جلستنا من تصدّع ..!

(4)

" عاجباك الأغاني دي يا أيمن؟ ॥ أنا هاسمّعك اللى عمرك ما سمعته قبل كدة " أعلّي من صوت السماعات ، فيضحك بشدة من كلمات الأغاني البلهاء .. أغانٍ كنت أسمعها في طفولتي ولم يعاصرها هو، يدهشه أنني ما زلت أستمع إليها ويسخر مني، فأجذبه من يده وأجبره أن يرقص معي على صوتها بحركات ساذجة مضحكة، حتى نتساقط سوياً على الأرض ضحكاً " مسيرك تكبر وتعرف أهمية لحظات مجنونة زي دي .. لما تبقى مهم وشخصية مسئولة زيي كدة " فيقاطعني ساخراً: " أكيد مش هابقى زيك كدة أبداً " ثم يجاول تجنب يدي التي تطوله رغماً عنه وأدغدغه بغلظة وهو يجاهد للتملص ثم أسأله: " أمال عاوز تبقى إيه يا فالح؟ " .. فيشرد قليلاً، ويجيبني: " مش عارف ! مش عاوز أبقى حاجة !" أستغرب إجابته فأعدد له من المهن التي أراها مناسبة له بجدية متحدثاً عن ذكائه ومخه النظيف .. فيقاطعني ساخراً من كلامي بمقطع من أغنية شعبية شهيرة يحفظها ، فأقرصه وأؤكد له أنه لن يصير إلا (سواق توك توك) في أفضل الأحوال حين يكبر، فيضحك ضحكته المميزة .. يرحل بعد قليل مع أخيه ليعودا إلى منزلهما ..

(5)

شردت من نافذة السيارة أتطلع لمدخل البيت، فكرت في اللقاء المرتقب الذي أخشاه ولم يعد ثمة مفر منه، كيف سأحتفظ بوجهي في مواجهتها؟ ॥ وجدتها أمامي تقطع تصوراتي، خرجت من باب العمارة بعينيها اللائمتين تصوبهما تجاهي .. نزلت من السيارة مسرعاً وأنا أتحاشى عينيها، صافحتها وحاولت الابتسام .. لم أشعر بغباء وعجز تعابير وجهي إلى هذا الحد من قبل .. شعرت أنني أطول مما ينبغي لوقوفي على الرصيف، إلى جانب فارق الطول بيننا، وددت لو كنت قصيراً جداً في تلك اللحظة، لو أتضائل حتى أصير لدى قدميها بدّلت وضعي معها في حركة حاولت أن تكون مهذبة، فأصبح بصري بالقرب من مستوى بصرها .. " إزيك يا أمي؟ .. كل سنة وانتو بخير .. أ .. آسف على الفترة اللي فاتت .. كنـ .. كنت مـ ....." قاطعتني حركة يدها وهي تشيح برأسها يمينا ويساراً لا تتقبل أسفاً .. " مش انت اللى تعمل كدة ! " .. اجتهدت للبحث عن كلمة مناسبة .. نظراتي زاغت وقلبي يدق في عنف، فحاولت أن أربّت عليه في حركة عصبية، ويدى الأخرى حائرة لم أعرف أين أضعها! فتارة بجيبي، ثم جانبي، ثم حككت بها شعر رأسي .. شعرت بأوصالي تتفكك ...

(6)

أستيقظُ على رنين الهاتف، أسمع صوته وبكائه الصارخ فلا أميز حرفاً، أسأله أن يهدأ ويخبرني ماذا حدث ॥ يقشعر بدني من ارتجافة صوته ولكني أطمئنه وأطمئن نفسي .. " إن شاء الله خير .. أنا جاي لك " وفي دقيقتين ارتديت ملابسي وغسلت وجهي، أصله لأجده يرتعش وهو خالٍ من روحه أو يكاد .. " هو في المستشفى دلوقتي ؟ " يحاول أن يتماسك ويجيبني: " آه .. صحينا لقينا وشه مزرق، وبيتنفس بصعوبة ، أنا باجهزله هدومه عشان ألحقه، رجليا مش شايلاني .. أنا خايف يروح مننا ! " أحاول التهوين عليه، وأساعده .. أربّت على كتفه كي يتماسك ، ثم نذهب، وحين نصل نجده في سريره يبتسم ابتسامته الرائعة، لم يقلقه سوى وجوهنا الفَـزِعة، يخبرَنا الطبيب أنها أزمة تنفس عابرة، جلسنا نمزح معه، ونطمئنه ثم تأهبنا للعودة إلى البيت، لم أرد له أن يمشي فحملته بين يديّ طوال الطريق إلى هناك وأنا ألومه: " وزنك زاد يا ولد، لو عايز تعيا تاني، قلل وزنك الأول وإلا ماحدش هايسأل فيك، أنت فاهم؟" يسخر مني: " انت عارف تشيل نفسك؟ " أنهج وأنا أصعد السلم: " حاضر، لينا بيت يلمنا .. حاااااااااضر " وبعد أن نرتاح قليلاً نتذكر ما حدث باليوم الحافل ونغرق في الضحك .. وهو يتحرك بحرية فأجذبه تجاهي وأهدده لو أفزعنا عليه هكذا ثانية فسوف آتي لألتهمه بنفسي، وأنا أدغدغه كعادتي فيفلت مني ويختبيء في حضن أختيه اللتين يحميانه مني، أتهمهما مازحاً بأن دلعهما هذا سيفسده، وأتوعده أن يسقط بين يديّ ثانية .. " في سنك كنت بعضّ العيال من عينيهم يا بني .. يا مدلّع ، لازم تغلظوا عليه شويةً، عشان يخشوشن كدة أو تسيبوهولي" وأقرن كلمتي الأخيرة بمد يدي تجاهه فيصرخان و يخبئانه في حضنهما أكثر في فزع، فتعلوا ضحكاتنا ..

(7)

تعلّلت بشقاء الأمر عليّ رغم معرفتي باستحالة تقبل أعذاري، لم أمر بمثل هذا من قبل، عجزت أن أواسي أحداً في ذلك وأنا بالكاد حاولت مواساة نفسي ولم أفلح، أسمع همهماتها وأذني تعمل بأقل طاقتها، أسمع صوته منادياً اسمي من مكان ما، خشيت أن أتلفت وهي تكلمني ॥ شعرت بخطواته حولي وأنه سيوكزني في ظهري ويجري كما يحب أن يفعل، رأيت طفلين يسيران أمامي، ورأيته أحدهما .. نفس حجمه ومشيته وشعره الناعم .. لو فقط ينظر ناحيتي ! زاغ بصري أكثر وعجزت عن متابعة حديثها، أرد عليها بكلام لا أميز حروفه .. وبصري يتابعه من جديد: أهو ... ؟

(8)

يأتيني اتصال فجراً من أحد أصدقائي الذي قلما يتصل بي .. أرد متوقعاً مقلب بشكل أو بآخر، ولكنه يلقنني الخبر، كنت مندمجاً في كتابة نص ساخر وغارقاً في الضحك حتى النخاع، لا أصدق ما يقول وأصرخ فيه ألا يمزح في هذه الأمور، ثم يبدأ صوتي ينخفض تدريجياً مع صوته الواهن الجاد، حروفي تتلعثم .. أمد يدي أضغط على زر إيقاف أغاني الأطفال التي أستمع إليها، أكررها على أذنيه عدة مرات: " بتكلم بجد ؟ .. بتكلم بجد ؟ " وهو يقسم لي المرة تلو المرة، فأخذنا نحوقل سوياً حتى لم نجد ما نقوله .. تداخلت السطور بعضها البعض في الورق الذي أمامي .. " وإمتى الدفنة؟ .. والجنازة ؟ وهما عاملين ايه؟ أكيد .. طبعاً .. أكيد .. لا إله إلا الله .. ماشي .. طبعاً مش هنام .. حاضر .. سلام .. " .. شيء ما يجعلني لا أصدق، غير قادر على الاستيعاب .. وقفت ودرت حول نفسي عدة دورات .. إنها مزحة سخيفة لا شك، لطمت نفسي لأتأكد أنني متيقظ، بضعة لطمات .. أنتظر أن أسمع تتر النهاية .. أو منبه الإيقاظ ، أو رجوع الأحداث إلى الخلف .. لا شيء من هذا يحدث ولكني لا أصدق رغماً عن ذلك .. باقِ على موعد الدفن وقت طويل ويستحيل أن أستطيع النوم الآن .. ماذا أفعل إذا ؟ اعتدت مشاهد معينة في الأفلام والمسلسلات عند حدوث مثل تلك المواقف، أيها يمكنني أن أفعل الآن ؟ أصبحُ فجأة بطل المشهد .. لا أود أن أنهار، ليس الآن على الأقل .. أقرر أن أكمل ما كنت أفعله .. النص الساخر ! نعم .. وهل من سخرية أكبر من هذا ؟ أشرع في إكماله متوقعاً أن أنهار في أية لحظة فأصرخ وأمزق الورق .. ولكني أجدني جامداً تماماً .. فقط دمعاتي تجاهد للتحرر من عينيّ وهي أوهن من ذلك وأكمل ما بدأت !
كوعاء ملآن عن آخره وفرغ تماماً فجأة كنت أنا في هذه اللحظة، أشعر بالخواء التام، وخلوي من قطرة إدراك واحدة ॥ تتداخل في ذهني الصور والوقت يمضي، النص الساخر .. عبد المنعم مدبولي .. أغنية الليلة الكبيرة .. أيمن يقوم بقيادة التوك توك .. سرعان ما أراه راقداً يغطيه رداء أخضر على محفة صغيرة يحملها العشرات، أجاهد لأضع يدي بين أيديهم المذهولة، وزنك أخف الآن بكثير يا أيمن ! .. أصوات تدعو له بالمغفرة .. يوارونه التراب .. يناديه أخوه من جواري : " أيمن ! رد عليّ يا أيمن " .. يسألونه أن يتماسك ويهزه أحدهم: " كفاية .. استغفر الله! كفاية .. " وأنا وجهي كصخرة صماء بلا أدنى معالم، ولا أتفوّه بحرف .. عيناي تدوران حولي كأنني في شاشة عرض عملاقة لا أشارك فيما يدور بها ..

(9)

أنقذتني ابنتها من عناء محاولاتي للنطق بجملة مفيدة ودوران عينيّ الموشكتين على الهروب من وجهي ॥ سألتني عن أحوالي وابتعدنا خطوتين عن أمها التي انشغلت بالحديث مع زوجة البواب .. حدثتها عن اللقاء الذي كنت أخشاه منذ زمن وها قد حان .. عن الذنب الذي حملته وحدي على مدار عام فأُثقل عليّ .. عن المأساة الأزلية في أن تظل تسأل نفسك عن الكلمات المناسبة التي تقال في مثل هذا الموقف .. فتعجز ويطول صمتك .. ويتأخر الحين الذي يجب أن تتحدث فيه .. ثم تبدأ بالإضافة إلى هذا تبحث عن عذر يبرر تأخرك .. فتتأخر أكثر .. وأكثر .. حتي يستحيل ظهورك .. ويعجز لسانك تماماً عن التفوه بحرف، أخبرتني أنها تفهم ما بي، وتقدر هذا وتؤكد لي أن أمها يستحيل ألا تسامحني .. " ماتحملش نفسك فوق طاقتك" .. وابتسمتْ .. فشردتُ قليلاً بمدخل العمارة .. لأتذكر ...

(10)

الآهات والأنين واللون الأسود وملايين الخواطر التي تجتث عقلي من بداية اليوم شيء ॥ وملامح وجهها وهي جالسة تتلقى العزاء شيء آخر .. أقف على مسافة من باب الشقة المفتوح ويمتد بصري مختلطاً بالسواد من حوله وينصب على وجهها الأحمر المختنق في جلال صمته، ويغلف أذنيّ صوت واحد كالأزيز .. يختلط فيه نواحهن والنهنهة الصادرة من بعضهن، وعبارات المواساة المكررة .. تصطدم ببعضها البعض في أذنيّ، تتجمد خطواتي وأتراجع، من المستحيل أن أقول شيئاً، ولن أقوى على البقاء صامتاً .. تكاد تزل قدمى على السلّم وأنا أتراجع بظهري، فأنتبه وأستند على الحائط، أركز بصري عليها ثانية، عيناها جامدتان لا تنظران إلى شيء، ربما جفتا من الدموع .. وبنتها ملتصقة بها تحتضنها .. تحاول أن تصبرها وهي ترتجف مثلها .. فلم أنتبه إلا وأنا أنزل درجات السلم مسرعاً كأنني أجري .. أخبر صديقي أنني لا أود أن أن أثقل عليها الآن، سآتي فيما بعد .. أرضي نفسي بأنني سأجهز كل الكلام الذي يمكن أن يقال وآتي فيما بعد، أي شيء يمكن عمله فيما بعد .. " انت محتاج أي حاجة ؟ .. لو احتجت أي حاجة كلمني ! " .. أودّعه وأمضي وهروبي جليّ لا يلحظه غيري .. هروب دام لعام كامل ..! هروب من موت لم أختبره من قبل ولم يمهلني فرصة لتدبره أو للتفاهم معه، لطمة أذهلتني عن أي فعل صائب يمكن فعله، وها هو الموت الذي كنت أفر منه، ها أنا ملاقيه ...

(11)

ابتسمتْ لي وأخبرتني أنها لامتني فقط لأنني ابنها، وسألتني ألا أحزن منها .. " المهم تسامحيني يا أمي " ربتت على يدي ودعتني أن آتي معهم فشكرتها .. أعطتني بعض الحلوى التي اشترتها من الدكان المجاور .. وودّعوني وهم يتمنون لي عيداً طيباً، وأنا قد تفككت تماماً، لم أعد أميز شيئاً مما حولي، أسرعت الخطى تجاه منزلي وأنا أرتجف، ألقيت ما أحمله جانباً وارتميت أرضاً، لتتحرر دموعي لأول مرة بعد كبت طويل، فأترك لها زمام الأمور .

17-11-2010

الثلاثاء، 29 مارس، 2011

حتى تعود مصر سيدة الأرض



حتى تعود مصر سيدة الأرض

.

.

مقالتي بمجلة الثقافة الجديدة : مارس - 2011

ثورة 25 يناير لم تكن كأي ثورة أخرى عرفها التاريخ، ثورة كانت هي الدليل القاطع على أننا لم نفقد شيئاً مما حاول حكامنا إفقادنا إياه طوال سنوات ماضية، لم نفقد إرادتنا وقدرتنا على الاتحاد وذكائنا وكرامتنا ورغبتنا الحقيقية في أن نكون أفضل، وتخطيطنا وقدرتنا على العمل الجماعي .. كما قامت تلك الثورة بصقل خبراتنا وقدرتنا على الحلم، وسعة الأفق والتضحية في سبيل ما نبتغيه .. وأكسبتنا الكثير جدا من الثقة في أنفسنا، ومساحات من القبول لكل مختلف عنا أصرت حكومتنا على الإيقاع بيننا وبينه طوال فترة حكمها لنا بمبدأ فرّق تسد، لنكره بعضنا بعضاً ولا يرتاح أحدنا في وجود الآخر، وهو المبدأ الذي لم يعد صالحاً للعمل الآن، بعد أن توحدت أهدافنا وتشابهت خطواتنا بشكل واضح وصريح، ولم يعد هناك معنى لكلام أو حتى حياة أحدنا لو لم يسع بكل جهده لكي تكون مصر أفضل، فخاب وخسر كل من حاول هدمنا أو شغلنا عن طريق الصواب كل هذه المدة، والمجد لكل من أشار لنا أن نخرج من طريق الصمت والخنوع الضال الذي كنا نسير به، ونحمد الله أن حِدنا عنه في ذلك اليوم المشرف الذي سنفخر به للأبد ..

أرى أن الشهداء الذين استشهدوا في تلك الثورة الكريمة حمّلونا عدة مسئوليات لا تقف عند البكاء عليهم والتأثر عند الحديث عنهم، ووصف محاسنهم وحكي حكاياتهم في أسى، واستمطار اللعنات على من قتلوهم ومن أمروا بقتلهم ومن سكتوا على قتلهم ومحاكمة كل أولئك بكل قسوة، رغم أهمية كل هذا، ولكن من المؤكد أن هذا ليس ما استشهدوا من أجله، لم أتشرف بمعرفة أي منهم للأسف ولكني أستطيع أن أجزم لك بأنه ما من أحد منهم وقف أمام مرآته قبل أن ينزل من بيته، وانتوى أن ينزل ليشارك بهذه الثورة ويموت فيبكي الناس عليه ويُحاسَب قاتليه وتتغير الحكومة، وينتهي الأمر عند هذا! فحين تتأمل في وجوههم وتحاول قراءة أعينهم، لن تبذل مجهوداً لتقرأ كل تلك الأحلام التي تطفو بأعينهم، ويبعثون بها الآن إليك، لتنفذها نيابة عنهم، وقد اغتالت يد الغدر أحلامهم، وأصبح السعي لتحقيق تلك الأحلام فرض عين على كل واحد منا، وإلا كانت خيانة منه لدمائهم الطاهرة الذكية التي روت أرض مصر بالعدل والخير والنقاء .. وسمحت لنفسي أن استخلص من بين تلك الأحلام الآتي :

1 – إسقاط الموروثات البالية الساذجة من طراز الرئيس الإله والرئيس الملهم والرئيس الأب ، التي تم بثها بيننا عبر عهود بحجة أن الرئيس يملك مقدرات الشعب، وهو من يقيم الدولة ويقعدها إن أراد وليس فقط يقوم بإدارتها وفقاً لاحتياجات شعبه وتنفيذاً لطلباتهم، فهو يخرج منهم وليس يخرج عليهم، وهذا طبقاً للعقد الذي يتم بينه وبينهم حين يقبل بهذه المسئولية والتكليف، وليس المكافأة أو التشريف له، فمصر ليست قطعة حلوى يكافأ بها من يحقق إنجازاً ما، فلا يُسأل بعدها عما يفعل بها .. بل هي مسئولية كبرى تمنح لمن يقدر عليها وتؤخذ منه حين لا يقدر عليها، وشعبه وحده من يحدد ذلك ويجب الإنصات إليه.

2 – الارتقاء بمستوى التعليم والبحث العلمي في مصر، فكل تلك الأمخاخ العاطلة و التي يتم تعطيلها على مدار سنوات في مصر يجب أن تفتح لها النوافذ لترى النور، وتساهم في تقدم هذا البلد، مضى زمن العصي والأسوار والحبس داخل المدارس لقضاء مدة الدراسة الإجبارية اليومية دون علم حقيقي يقدم بها، وهذا يلزمه الارتقاء بوضع المدرسين، وبمنهجية وضع المناهج الدراسية بالمدارس، يجب أن يصنع مستقبل مصر القادرون والمتيقظون وذوو النزاهة والمصداقية لدى الشعب، لا أن يصنعه المرتشون والفارغون وضيقوا الأفق ومنعدموا القدرة على الابتكار والتجديد، الذين لا هم لهم سوى مليء جيوبهم وكروشهم دون إفادة الوطن بشيء، وقد فسح لهم مجالا مفتوحاً في عهود الفساد الزائلة.

3 – نشر الوعي السياسي بين المصريين ليعرف كل مواطن ما له وما عليه وهذه مهمة السياسيين والمثقفين والإعلاميين، من دون تعالٍ على الناس أو توجيههم تجاه أيدلوجية وفكر معينين، بل شرح القوانين والسياسات التي يتم العمل بها بمنتهى الشفافية والحياد، وعلى الناس أن يختاروا ما يناسبهم.

4 – عودة المثقفين لدورهم الإساسي بين الناس، دون انفصال عن واقعهم ودون وضع حواجز تباعد بينهم تحت مسمى النخبوية أو تحت أي مسمى آخر، فالمثقف يحتاج النزول إلى الناس أحياناً، ليرتقوا هم إليه فيما بعد.

5 – ضبط الأوضاع الاقتصادية في البلد لتكون في أعلى مستوى إنتاجية ممكن، بالشكل الذي يتناسب مع قدراتها والتي نعلم جميعا أنها ليست بالقليلة أبداً، على الاقتصاديين أن يعملوا في تلك المرحلة بكل طاقاتهم، لتوجيهنا إلى سبل الارتقاء ببلدنا لتكون في المستوى الذي تستحقه وفي أسرع وقت ممكن، استغلالاً لإمكانياتنا ومنها قناة السويس مثلا، التي يجب أن تكون العملة المتداولة بها هي الجنية المصري لإعلاء قيمته، وأيضاً استغلال امكانياتنا الزراعية جيداً، للاكتفاء من محاصيلنا وخاصة القمح، واستغلال الأراضي غير المزروعة، التي أُهملت في السنوات الأخيرة، خاصة وقد استيقظت إرادة الشباب ولديهم المقدرة الآن على الحفر في الصخر، لكي تتقدم هذه البلد، وكلنا شاهدنا أكفأ وأرقى المستويات العلمية وهم يشاركون في تنظيف وتجميل ميدان التحرير وشوارع مصر بعد الأحداث الأخيرة، دون غضاضة في ذلك، وأيضاً الاهتمام بمصانع القطاع العام التي تم إهمالها بتعمد وتبجح واضحين، في سبيل مجاملة أصحاب القطاع الخاص الذين ينتجون نفس المنتجات، أو يقومون على نفس الصناعات .. وتُركت الساحة خالية لهم يفعلون بها ما يشاؤون تكريساً لفكرة الاحتكار، ومن ثم الاحتقار للمواطن.

6 – وجود جهاز مركزي قوي للمحاسبات ، يتمتع بالشفافية والنزاهة والاستقلال التامين، للرقابة على النقطة السابقة وغيرها، مع الإنصات إليه جيداً دون ترفع وغطرسة من السلطة التنفيذية، وقد كنا نشهد غطرستها تلك في السنوات الماضية، ورأينا ما آلت إليه الأمور.

7 – عودة الفنانين ولاعبي الكرة إلى وضعهم الطبيعي لدى الشعب، إلى مرفهين للشعب في الأساس، ومن أراد أن يتخطى دوره ذلك إلى دور أرقى، كمحرك ومرآة للشعب، فعليه أن يكون على قدر عال من الثقافة والتعايش مع الناس، والإدراك لحالتهم ووضعهم، لأن من يدَّعي الحرص على مصالح الشعب، والخوف عليهم – كما أظهر العديد خلال تلك الأحداث – دون أن يكون لديه القدر الكافي من الوعي والنزاهة ليفعل ذلك، فسيضع نفسه في حرج كبير، وكره كبير من أفراد الشعب، ولن يغفر له الناس ذلك.

8 – وجود مؤسسة إعلامية مصرية مستقلة، لا تخضع لتوجيه من أحد ولا يهمها سوى تقديم الحقيقة والمعلومة الصحيحة وفي أسرع وقت ممكن، وتوجيه الضوء على الأشخاص المجتهدين والمخلصين من أبناء البلد ليتعرف الناس عليهم جيداً، والاجتهاد في سبيل ذلك.

9 – أن يدرك كل إنسان قيمته وقدراته الحقيقية، ويعمل على استثمارها، وألا يحاول أحد أن يأخذ وضعاً أكبر من حجمه، ولا أن يوضع في غير مكانه الصحيح، فعلى من لا يفهم ما يجري جيداً، أن يصمت حتى يفهم وبعدها يتكلم، ويحترم الآخر الذي يختلف عنه، فربما يكون الفرق بينهما مجرد اختلاف في التوقيت، ولو تقابلا في ظروف أخرى فسيتفقا تماما على ما كانا يختلفان عليه، مثلما رأينا في ميدان التحرير والجميع تحت وطأة حرب واحدة، لم تميز بين أحد وآخر، واتحد الجميع تحت راية واحدة، وهي راية العدل، في مواجهة الظلم الواقع عليهم بكافة أنواعه.

10 قبول الآخر أياً كان، لا معنى للحجب او الرقابة أو التضييق على أي فكر كان، فلا يحارَب الفكر إلا بفكر آخر، وأي شيء يتم منعه يمكن الوصول إليه من طرق أخرى في هذا العصر، ولذا يجب السماح لكل التيارات والاتجاهات الفكرية للعمل وتقديم برامجها السياسية والإصلاحية والثقافية على الناس بكل حرية، وعلى الشعب وحده أن يختار ما يناسبه، مع العمل على تربيتهم ثقافيا وعلميا في نفس الوقت بتطوير كل من وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وأيضاً المواد التي يتم تقديمها في القنوات الفضائية، لأن ذلك هو ما يضمن الرقي الفكري للناس، وقدرتهم على الممارسة الفاعلة للحرية، وذلك سواء في الشارع أو في الأحزاب السياسية، لأن كل شيء هو مرآة لشيء آخر مكمل له.

11 إعادة تأهيل جهاز الشرطة بالكامل، لأن الوضع الذي كانوا فيه على مدى سنوات لا يؤهل أغلبهم سوى لأن يكونوا مرضى نفسيين، لا يفرقون بين المجرم، وبين المواطن العادي، وقد منحوا صلاحيات لا نهائية يستطيعون بها أن يمارسوا جميع أنواع القمع والترويع دون رقيب، ودون يد حازمة في التصرف مع خطاياهم.

12 – عدم السماح للفساد بأن يظهر ولو في أدنى صورة له، عدم السماح بالرشوة أو المحسوبية في أي مكان مهما قلت أهميته، ووضع كل مسئول امام مسئوليته الحقيقية، دون تفخيم له، ودون منحه ما لا يستحقه من مجاملات، فسيسهل هذا الحزم مهمة المحاسبين للفساد، وأخد الإجراءات ضد الفاسدين، فكلنا يرى الآن صعوبة محاسبة كل هؤلاء الفاسدين في الدولة وقد تغلغل فسادهم في كل سنتيمتر في البلد وفاحت رائحته، ومن الصعب الآن الإطاحة بهم جميعا مرة واحدة.

13 – عودة العلماء والدعاة والمصلحين والمفكرين الذين يستطيعون المساهمة في الإصلاح الواقعي والفكري على هذه الأرض، إلى ممارسة أنشطتهم بكل حرية، وقد منعتهم النظم السابقة طويلاً عن ذلك خوفاً من شعبيتهم، فالمنافسة يجب أن تكون منافسة جدارة وأحقية وإفادة، وليس مجرد منافسة على شعبية غير حقيقية، لا يمكن تحقيقها بالإرغام أبداً.

14 – عودة الأغاني الوطنية الحقيقية غير المزيفة، التي نغنيها حبا حقيقياً في الوطن، وليس لمجرد إلصاقها بحملات انتخابية، ومكاسب سياسية انتهازية، وانتصارات كروية سخيفة لاهية للشعب عن حقوقهم وواجباتهم.

15 القدرة على الحلم، أؤكد عليها من جديد، وأهمية المحافظة على الحلم وعدم سرقته ممن سعوا إلى تحقيقه بأي شكل كان، فالحالم يجب أن يحلم بحذر خوفاً من أن يعجز عن التصرف حين يتحقق حلمه، وألا يستطيع الحفاظ عليه من السارقين والقافزين، المتربصين بالحالمين دائماً، لعدم قدرتهم على الاجتهاد.

أكتفي بهذا القدر.. ويمكنك أن تتأمل في أعين الشهداء وقد وزعت صورهم في كل مكان، لتستقي منها أحلاما وأحلاما أخرى، نرجو أن نكون جديرين بها، ونحققها في أسرع وقت ممكن .. كفرض عين علينا يفرضه ما حققوه من إنجاز وتضحية .. والله الموفِّق.


الجمعة، 18 فبراير، 2011

أوعى تكون زعلت يا ريس ..



أوعى تكون زعلت يا ريس ..


أوعى تكون زعلت يا ريس ..

شعبك وحب يفهمك بالذوق

بس انت اللى خدتها أفش

سبتنا وقعدت فوق

وحلفت ماتسمعش

شايفك متفاجيء ومكدب

ومصدق إعلامك المتكركب

واللي مفهمك إنا

عمرنا منك مازعلنا

عشان انت ماتغلطش

ودي تيجي إزاي ؟

ده آمون مابيغلطش

وزيوس مابيغلطش

وأي إله متربي كويس

مابيغلطش !

هل ينفع نسأل عـ الريس مرة ..

يقولولنا ماجاش ؟

ماضحكش ؟

ماهزرش ؟

أو حد حكاله حالتنا، وماطـنـّش ؟

شوفتنا عدينا يوم

بدون ماتكعبلنا سحنتك ..

ونحلف بحكمتك ..

ونطمن على جتتك ؟

عمرك شوفتنا شككنا فيك ..

ولّا اتأمّرنا عليك ..

ولّا حد قالك: لأ ؟

ده حتى لو بالحق

كانوا بتوعك يقولوله:

اتأدب !

واتلم !

ده ولي الأمر

ده أبوك بالأمر

ويجيبك ويوديك بالأمر.

بس الجديد في الأمر

إن الكدبة ماعرفتش تطول

وان المذلول

مابقاش مذلول

وعرف يتكلم ويقول:

لأ

لذا فمالكش حق

تغصب علينا تاريخك

وتحز في نفسك مننا

ده احنا غلابة

سبناك تموّت فينا اللى أغلى من روحنا

تموّت حلمنا

ومازعلناش ..

وقولنا أهو قدر ونصيب

ومسيرنا يجيلنا ناس

ياخدولنا حقنا

تلاتين سنة

مستنيين .

بعضنا دوّر عليه برة ..

وساب هنا

مع إنه ماضاعش إلا هنا

ومش هاييجي إلا هنا

تلاتين سنة نقولك حاضر

تقول كن .. فيقولولك يكون

لحد ماصدقت انك ملكت الكون

وان اللى يخالفك كافر

مجنون

فخرستنا

تلاتين سنة

جوابات كتير بعتهالك وانا صغير

أكيد مكانتش بتوصلك ..

مكنتش أعرفلك عنوان

كنت مصدق إنها لو وصلت

الوضع هايتغير

كنت احكيلك عن كل جديد أعرفه عنك

وابعتلك صورة قصتهالك

وانت في طيارتك

أنا أصلي بعيد عنك

كان نفسي أطلع زيك

طيار برضك

وفي نفس الحرب

وكنت احكيلك عـ الفقرا اللي باشوفهم

وإنك لازم يوم تسأل عنهم

وتغير حالهم

قولت أكيد بطلت تطير

وإنك عايش ويانا عـ الأرض

كترت جواباتي

مجانيش الرد

حتى اما الملايين طقت وانفجرت

وقالولك: شكراً .. إرحل

مارضتش ترد

شوف قولنالك حرّص .. كام مرة

من أفعى غبيّـة عفيّـة بتزحف حواليك

وبإيدك تقرص فينا

وتلسعنا

وتقيدنا وتعيش حرة

ايه؟ مكنتش شايف؟

ولا حاسس ..

وانت في إيدك ديلها ؟

ماحدش قالك خد بالك

ولا مرة ؟

ولّا انت اتعودت تبات برة ؟

مـ الآخر لامؤاخذة يا ريس

مانتاش أب

ومانتاش رب

وماعرفتش تفهمنا كويس

كام مرة نقولك اسمعنا

المصري بيصبر ..

ويسامح

بس ماينساش ولا بيتيس

كام مرة ، هزرت في أرواحنا

كبضاعة خسرانة

وبتهيس

وتجيب سيرة العبارة، وتضحك

وخلقت بظلمك وطاغوتك

للظلم متين مليون ريس

فاكر اما حفيدك مات يا بيه ؟

كلنا قريناله الفاتحة

وقد ايه زعلنا عليه

ومصر كانت ميتم

ولو اننا فرحنا انه نفد من أعمالكم ..

وإن واحد منكم مات نضيف

لكن زعلنا عليك انت

ايوة انت

واستنينا بلهفة نشوفك عامل ايه

اشمعنا شبابنا يا ريس

مازعلتش عليه ؟

وروحت وجيت

ونمت صبحت ناسيه ..

لحد اما قالولك:

هات سيرته بكلمتين

لا وبعد ايه ؟

بعد الدم ما غرّق سجادتك

وطال كرسيك

وده دم غالي يا بيه

عمر تمنه ماكنت هاتقدر عليه

.

.


الأربعاء، 9 فبراير، 2011

أصوات أخرى غير صوت العقل ..



أصوات أخرى غير صوت العقل ..


أبدأ كلامي بتحياتي (الحارّة) لكل محتكري صوت العقل في العالم، سواء محتكرينه من اليمين أو من الشمال، ولأنني وجدت الجميع قد احتكروا (صوت العقل) ، وكأن من يختلف عنك في الرأي هو من كلاب الشوارع ليس إلا، احتكرت الحديث عن صوت المؤخرة .. على الأقل أضمن بهذا ألا يتنازعني أحد عليه .. فلا أتسبب في مزيد من الصراعات ..

أعدك يا من ساء به حظه وجلبه إلى هرطقتي، ألا تجد صوت عقل واحد هاهنا، وإن صادف أن وجدته فهو من عندك، أما ما عدا ذلك فمن عندي .. وصوت المؤخرة هنا يحتمل معنيين، أحدهما خاص بالمهذبين ويعني: صوت المتأخرين الواقفين في المؤخرة وينادون بالانسحاب والعودة، والآخر خاص بغير المهذبين (وأنا منهم) ولا يعني سوى الــ ....

كنت قبل الأحداث أسخر من الثورة، ولم أصدقها .. حقي .. خاصة عندما أسأل أكثر من شخص عمّا ينتويه بالظبط، عن أهدافه ، عن خطته .. فيقول لي: مش عارف بس هانعملها يعني هانعملها .. إزاي؟ .. مش مهم ، إشمعنى تونس عملتها ؟ .. طب انت عارف ايه اللى حصل في تونس ومتابعه ؟ .. لأ .. أهو كلهم رؤسا ولاد كلب طلعوا عين شعوبهم وهانجريهم كلهم عـ السعودية .. فأشعرني ذلك بأن الأمر مجرد موضه، وأن الترزي اللى فصّل جلابية الثورة في تونس، أكيد مش هايعرف يفصّل نفس الجلابية في مصر .. خاصة ولم يكن قد اتضح شكل الجلابية في تونس بعد، وأيضاً لم أكن أصدق كثرة المشاركين ، وأن الأمر لن يتخطى مظاهرة يوم واحد، ككثير مما رأيته من مظاهرات، لأن عدد النائمين في ماء البطيخ أكبر دائماً .. ولكني كنت مخطئاً ...

أعترف أنني كنت مخطئاً وسعدت بكوني كذلك، فوجئت بالأعداد الكبيرة والمشاركة القوية واستمرارها لأيام، وانخفاض عدد النائمين في ماء البطيخ بشكل مدهش، وشعرت بكهرباء القوة والإيمان تسير في الهواء من واحد إلى آخر، آمنت بها ثم انضممت إليها ما أن خرجت من امتحاني الأخير، كنت بين المتظاهرين، أحمي نفسي من رصاص مطاطي وخراطيش وقنابل مسيلة للدموع بإلقاء الحجارة على الأمن المركزي، والاختباء منهم، ومحاولة التحرك بسرعة، وقد حرمونا منذ أول وهلة من سلمية المظاهرة، مع أول قنبلة مسيلة للدموع ألقيت علينا ما أن قلنا "السلام عليكم ورحمة الله" الثانية في الصلاة – كأنهم يودون الانتهاء من الأمر سريعاً ليلحقوا بالمظاهرة التي تليها ! – فكان طبيعياً أن ندافع عن أنفسنا بكل الوسائل الممكنة، على الأقل حتى يتراجعوا، وما كان الطوب الأسود (البازلت) الغبي الذي يوضع على طول شريط الترام ببعيد عن متناول أيدينا .. استنشقت الغازات المسيلة للدموع لأول مرة .. شيء قميء يجثم على النفس ويخترق أنفك فجأة دون أن تراه، تتنفسه، أدركت منذ اول وهلة أنها رائحة مبارك، والهدف غير المحدد الذي نزلت به، هدف الغضب، تحدد في هذه اللحظة، ووجدتني وانا أدمع أقول لنفسي ولأخي ومن حولي: حلو، كويس، خلينا نتعود على "لأ" ونعرف قيمتها. وتذكرت كل الآباء والحكماء وكبار السن الذين خافوا علينا وعلى بعدنا عن المشي بجوار (الحيط) وكأنه الصراط المستقيم، أردت أن أصرخ فيهم حينئذ : " دعونا ! لم تنفعنا طريقتكم لسنوات مضت، لم تجلب لنا هنيء العيش ولا مستقر السكن ولا ثابت العمل ولا رقيّ التعليم ولا سلامة الصحة .. دعونا نجرب طريقتنا .. فطريقتكم لم تنفعكم ولن تنفعنا " سعدت بجدار الخوف من النظام ومن الشرطة الذي ظل يتهدم مؤخراً حتى انهار تماماً، ووراءه ينهار جدار الكفر بهذا الشعب وبقدرته على التغيير، والذي كان يزداد علواً مؤخراً بفعل اليأس والعديد من المحاولات الفاشلة للتغيير .. وقد كنت أؤمن به قدييييييييماً جدا .. واستعدت إيماني به كاملا حينها فحسب ..

بصل .. كوكاكولا .. دماء .. اختناقات .. صراخ .. استغاثات .. دعاء .. هتافات .. صوت انفجارات وطلقات نفقد رهبتنا لها تدريجياً .. غضب .. كر وفر .. متفرقين في شارعين متعامدين في تقاطع طريقين .. القتلة في طريق ونحن في الآخر، نتجمع ونشد من أزر بعضنا البعض ونظهر إليهم نقذفهم بما تيسر من أحجارنا ونرد عليهم قنابلهم بقدر ما نستطيع، ثم نحتمي منهم ، يصرخ عجوز : " الإخوان فييييييين حد يقولي فين الإخواااااااااااااان ؟ " .. نصرخ فيه أن يصمت : " إحنا مع بعض .. إحنا مصريين .. هانجيب حقنا ماحدش هايجيبلنا حقنا " .. دماء وإصابات أكثر .. وجوه أعرفها ولا أعرفها .. عيون غير عادية .. أحدهم يجري في ألم وهو يمسك بمنطقة رجولته، تنزف من بين أصابعه الدماء ! أسمع أخي يصرخ بأنهم كسروا نظارته، وكادت تذهب عينه لولا نظارته التي حمتها ، حين أصابها شيء ما ، نرجح أنه رصاصة مطاطية .. وأخي بدون نظارته يكون غير قابل للتظاهر على الإطلاق، يكفي أنه حين كان يفر للاحتماء منهم .. كان شبه يتحرك نحوهم وليس ناحيتي ! فتحركت تجاهه وجذبته إليّ .. وأكملنا ما بدأناه ، وأنا أنظر له من حين لآخر .. وأتعمد أن يظل بالقرب مني .. فلو غفلت عنه قد أجده في أي لحظة ممسكاً بذراع أحد العساكر هاتفاً له : " يلا يا حاتم نمشي من هنا قبل ولاد الكلب دول مايخشوا علينا!" ، أفكر .. (إيه المظاهرة العوء دي!) .. سألته أن يعود للمنزل وحده لو يستطيع فصرخ فيّ: " مش هاسيبك" .. لأ جدع يااا .. يا فرحتي .. مانا مش عارف أركز في المعركة بسببك .. بضعة نقاشات استقررنا بعدها على ترك جانب المظاهرة العنيف هذا ونتجه للجانب الآخر الذي نفذت منه القنابل المسيلة للدموع، وشرمخ كل طرف فيه الآخر شرمخة عنيفة حتى أنهكوا، فتركهم الضابط ليتظاهروا كما يشاءون (على سبيل الهدنة) وقد احمرّت أغلب الوجوه في الطرفين بشكل يشي بعنف المعركة التي دارت، بالقرب من أحجار الترام البازلت الأسود المقدسة، التي من غباء الشرطة أنها لم تعمل حسابها في مظاهرات القائد إبراهيم، بالإسكندرية ..

بمجرد أن تركتهم الشرطة يتظاهرون بحرية، ورغم كل ما دار كان الناس يصافحون الضابط ويشكرونه، ويحيون عساكر الأمن ويقولون : عارفين انكو غلابة وغصب عنكم واحنا بنعمل ده عشانكم .. اضربونا بس بالراحة .. دوسني بس ماتعورنيش .. مش لازم ضرب يموّت .. حرام عليكم .. فيردون : والله غصبن عننا .. ربنا يوفقكم ! معلش .. حقكوا علينا ! .. وضابط يعتلي مدرعة ويغطي فمه بمنديل دامٍ .. يهتفون به : " هايسيبك ويمشي .. هايبيعك وهاتفضل معانا " فلا يرد على أحد .. نتجمع أمام باب المسجد نهتف وندعو حاملين كل أوجاعنا وآلامنا .. يا رب .. يااااااااا رب .. يااااااااااااااا رب .. فتهطل بضع قطرات تقوي من عزمنا وتشعرنا بقرب الأعلى الرحيم منا .. فيعلوا صوتنا .. ياااااااااااااااا رب .. يااااااااااااااااااااااا رب .. ننظر على يسارنا فنجد من بعيد سيارات الأمن المركزي التي كنا نحاربها منذ قليل .. تحترق ! .. نشعر بأن العساكر ينظمون صفوفهم حولنا .. يطوقوننا ويقتربون منا شيئاً فشيئاً .. انتبهنا لذلك فحذرنا من حولنا ليحذروا من حولهم .. وخرج بعضنا لنكن خارج هذا النطاق .. فنمنعهم من محاصرتنا ..

نتحرك ونشاهد ما يحدث بكل مكان .. عنف .. عنف .. المزيد من العنف .. الاتصالات مقطوعة ، لابد أن اخبار ما يحدث قد وصل ولو بعضها إلى المنزل، ولا شك أنهم بدءوا في التحول هناك إلى فقاعات غازية من الفزع علينا . شاركنا في الأحداث عنفاً وسلماً ما استطعنا .. فلنكتفي بهذا القدر إذاً، عشان خاطر بس الغلابة اللى زمانهم بيتحولوا في البيت دلوقتي .. وكلما سرنا بضعة خطوات في اتجاه العودة يشدنا مشهد آخر .. أو تطور جديد .. نشارك فيه ونرفض أن نعود .. مظاهرات أكثر حشداً وثقة وغضباً .. درسنا في التجارة أن المكاسب تغري دائما بمزيد من المكاسب .. حشود من الناس أراها تسير في اتجاه شارع فؤاد من قناة السويس، حيث مبنى محافظة الإسكندرية بعد أمتار .. أمد بصري إلى أبعد مدي من الناحية الأخرى .. عدد من عربات الأمن المركزي والعساكر .. ليس بالكثير أبدا .. ووراءهم أرى حشوداً أخري قادمة .. وهؤلاء القلة من العساكر في المنتصف .. أكملنا طريق عودتنا وأنا أقول لأخي : مبنى المحافظة ده أكيد هايتحرق !

عدنا للمنزل وبدأنا نتابع الأخبار بمزاق مختلف .. علمت فيما بعد أن بعض العساكر عندما التفتوا فلم يجدوا الضباط حولهم .. خلعوا لبسهم العسكري وساروا على طريق الكورنيش هاربين حتى يجدوا من ينقذهم ويعيدهم لوحداتهم أو لأي داهية تأخدهم من هنا حيث الغضب الجارف، الذي كان يمكن حله بكلمتين في البداية !! ثم حدثت التطورات التي تعرفونها .. انسحاب أمني .. هروب مساجين .. أقسام شرطة أغلقت بالجنازير منذ صلاة الجمعة وقد فرغت ممن فيها من مسجلين خطر ومجرمين وكائنات فضائية وقد عرفوا وجهتهم جيداً .. تخريب وتهديدات وحالة نهم إعلامي مصري للكذب والخداع بمنتهى السذاجة .. سهر ليالي بالشوم والسكاكين أمام العمارات، تحاول الحكومة الخبيثة فرملة ثورتنا وربطنا ببيوتنا .. ولكننا الحمد لله كنا أنذال بالقدر الكافي ، أو وزعنا مهمات الحراسة بالتناوب، أو أدركنا سذاجة اللعبة .. فلم يفلح ذلك معنا واستمرت المظاهرات واشتدت حشداً وقد آمن الناس بها وبأنفسهم أكثر، فيصيبنا دهاء مبارك وما حوله من أفاع في مقتل، بخطابه المحنك المتزوق اللذيذ الرايق المؤثر عن وفاته على هذه الأرض، ومن أجلكمممممممم وفي سبيلكمممممممممم وتلبية مطالبنا حتة حتة " بأسلوب الاستربتيز" كما عبـّر صديقي عمر خضر .. وبهذا الخطاب القاتل مع حبة تحابيش عن أمن مصر وسلامة مصر وأعداء مصر وأجندات مصر والمؤدلجين والمسيسين في أنحاء مصر .. نتحول إلى جبهتين كل واحدة أكثر تعصباً وعنفاً من الأخرى .. وكل منهما لديه المقنع والمنطقي و " أم صوت العقل " من التبريرات .. فننسى الموضوع الأساسي .. اللى ماتوا دول في رقبة مين ؟ ده لو فنجهان قهوة اللى اندلق، في حد بيحاسب عليه .. مين اللى هيحاسب على كل اللي ماتوا غدر دول ؟ ثم ننخرط في أحاديث جانبية عن الحرية مقابل الغذاء .. والتغيير السريع مقابل العيش المدعم .. وعن الرئيس جوز الأب .. " سلملي على جوزك يا إسماعيل بيه " وغيرها من سخافات، فيزداد الوضع سوءاً وعبثية تشمئز منه نفسي، فأنعزل في بيتنا القديم الخاوي، أحاول الهروب إلى كتبي من الأحداث، فأتكعبل فيها بـ عبارات تصف ما يحدث بدقة، ترغمني على مزيد من التفكير، وتجبرني أن أمسك بقلمي، وقد وضّحت لي خلوتي الرؤيةَ إلى حد ما .. لأكتب ما أكتبه .....

ما الذي يمكن استخلاصه من هذه الثورة ؟

1 – سقوط نظرية الرئيس الإله : الرئيس اللى مانقدرش نعمل حاجة من غيره، اللى حامينا وكاسينا، ومن غيره نضيع ، كل ده انتهى أو في سبيله للانتهاء للي لسه عقله ما أدركش هذا، هو مجرد بني آدم زينا يا جماعة، وربنا اللى فوق هو بس اللى بيحفظنا وهو اللى حمى بلدنا آلاف السنين من أخطار أفظع بكتير من اللى بنواجهها دلوقتي .. وفي حالات كان الشعب فيها أقل وعياً بكتير من الشعب دلوقتي .. عبد الناصر لما مات فجأة والبلد في حالة نكسة ومتعلقة بيه جدا ورايحة في داهية ومنهارة وكان أنور السادات بالنسبة لهم وجه غريب مش مألوف، ومش محبوب من تنظيم الضباط الأحرار، وطلع زي عفريت العلبة كدة بعد ما اتعين كنائب رئيس من فترة قليلة .. ولا كانت القوى السياسية حاباه ولا الشعب كان عارف هو اللى حاكم ولا مراكز القوى اللى معاه اللى كانت بتغطي عليه أحياناً .. والأعداء مكانوش على الأبواب بقى، لأ دول كانوا قاعدين في الصالون .. ورغم كدة البلد قامت وفاقت وحاربت وانتصرت، وده عبد الناصر يعني .. اللى مهما اختلفنا عليه ماحدش يقدر يفتح بقه ويقول عليه خاين او حرامي أو كان شعبه كارهه .. إضافة إلى أن الرؤساء في أي حتة عندهم حاجة ظريفة كدة بيعملوها لما ييجوا ينتصروا في الحروب أو ينهزموا أو يتقدموا بالبلد أو يتقهقروا بيها، إنهم بياخدوا معاهم حاجة ظريفة كدة اسمها (الشعب) عارفينه ؟ .. يبقى ييجي مبارك ده اللى فقد كل شرعيته وصلاحياته وقدراته وترهل تماماً ومش عارف يحمي شعبه (لوا افترضنا بسلامة نية إنه مش هو اللى بيحاربهم) لا من فقر ولا من مرض ولا من كلاب الداخلية ولا من البلطجية ولا من وزراءه وقراراتهم الهوجاء .. ده اللى هانضيع من غيره ونتشرد ؟؟ يا سلاااااااااااااااام !

2 – سقوط نظرية الرئيس الأب : وكذلك الرئيس الجد والرئيس الخال .. والرئيس جوز الأم .. وأوصل سلامي لماما وبابا وخالي حسن اللى شغال في العراق وجدو ونينة بمناسبة عيد ميلادهم ....

بغض النظر عن إن دي مش لغة سياسة وإننا في عصر بينتخب الريس عشان يحقق مطالبه وآماله وطموحاته السياسية، مش عشان ياخده من إيده ويجيبله عسلية ويهشتكه على حجره ويقوله يا بيبي .. بغض النظر عن الفكرة دي، لو افترضنا إن أبوك بيقتل في اخواتك كل يوم ويبهدل أمك وحارمك من كل حقوقك ومجوّعك .. أبسطها خالص لو انت ابن صالح، هاتسيبله البيت وتمشي، ده لو أنت مؤدب قوي يعني، وده يتطلب انك تكون اتربيت برة البيت ده أصلا .. بس المشكلة ان صعب 85 مليون يسيبوله البيت ويمشوا !! هو كتير منهم حاولوا الحقيقة بس أعتقد مش هانعرف

نمشي كلنا بأي حال من الأحوال .. ولذلك بكل أدب بنطلب منه يخليها عليه المرة دي ويطلع هو برة .. برة حكم مصر

3 – لا تتكلم قبل أن تفهم : وطبعا عشان تعمل كدة لازم تكون بتفهم أصلاً .. يعني ايه بتفهم ؟ يعني تقعد مع نفسك .. تسأل الكبار .. تعرف كل آراء اللى بيفهموا عنك .. تعرف حدودك وايه اللى تعرفه وايه اللى ماتعرفوش، وتعترف بجهلك وبخطئك حين ينبغي ذلك .. مش عيب خالص .. لكن كل اللى اتكلموا وجعجعوا دول ونطوا عـ الفضائيات أو عـ الجرايد أو عـ النت وهما مش فاهمين وأزعجونا وعملولنا دوشة وبمنتهى التسرع ومن غير ماياخدوا نفَسهم، هما فعلا اللى ممكن يضيعونا كلنا لأنهم لغوشوا علينا وعلى أسماعنا ومعرفناش نوصل لآراء الكثير من العقلاء اللي فاهمين الأحداث وعارفين بيقولوا إيه .. والأهم من كل ده ، تحترم رأي الآخر دائماً ..

4 – مشاهدة برنامج صباح الخير يا مصر: (معلش دي نقطة مخصوصة كدة خلوها على جنب) .. عندما تشاهد هذا البرنامج الجميل لو حصل واتزنقت مرة في معمعة الأحداث صباحاً مع تلفاز ليس به محطات أخرى تنقذك من وحل معرفة الأخبار عن طريقه .. ستدرك ما أقصده ، فهو يتمتع بكمية غير اعتيادية من المذيعات، الفاتنات، الرائعات، مرتديات الميني جيب.. (بألوان غامقة جدا عشان الحزن اللى في القلب) وذوات السيقان الرائعة .. ولم أفهم مما يقولون حرفاً بكل أمانة! ولكني سرعان ما أدركت أنني إذا أردت أن أفهم ما يقولون يمكنني ببساطة جلب كل عناوين أخبارهم التي بها أداة نفي وأقوم بإزالة أداة النفي .. وجمل الإثبات أقوم بنفيها، أما ما عدا هذين فهو تهييس مطلق ليس إلا ..

5 – أي شعب ينقسم لمُحرّكين ومتحركين : المُحرّكين دائما أقل بكثييييير من المتحركين .. المحركين يعني اللى عندهم قدرة يأثروا في الناس، زي مثلا شباب الفيس بوك ، وزي البرادعي ، وزي الإخوان ، وزي مبارك ونظامه ، وزي الإعلام بأنواعه .. كل دول بيحركوا في الناس بطريقة معينة على حسب مصداقيتهم لدى الناس .. يعني البعض هايحرك الناس معاه والبعض هايحرك الناس ضده ، والبعض هايجبر الناس انها تتجاهله تماما .. المفترض بقى الشخص يعرف هو في أي قسم منهما .. ويمكن يكون في الاتنين .. ولما يحرّك هايحرّك إزاي ؟ ولما يتحرك هايتحرك لفين وهكذا .. مش كل الناس فاهمة .. مش كل الناس عارفة .. لكن الفاهمين كتير ، والمتكلمين كتير ، ونقدر ببعض العقل نسمعهم ونفهم كلامهم ونقارن بينه وبين ما نعرفه ونقيس كلامهم على اختباراتنا السابقة لهم ، واللى نقتنع بيه هو اللى نمشي عليه ، سهلة خالص .. المحركين يراعوا ربنا في اللى بيعملوه .. والمتحركين يشغلوا مخهم قبل أي حاجة ..

6 – وائل غنيم .. فحسب

استخلصت من لقائه الرائع اللى مش هاتكلم عنه لأنه بيتكلم عن نفسه جدا، ملحوظة بس جت في عقلي بشأنه: إنه ماحدش كان يعرفه، قليلين جدا يعرفوا عنه القليل جدا .. شوفوا في دقائق حبيناه قد ايه وصدقناه قد ايه ؟ تفتكروا لما حد يطلع في التلفزيون ويعمل لنفسه دعاية انتخابية لمدة شهر .. فيها برنامجه وسبل تحقيقه ليها وكل حاجة عنه وهو مين وبيعمل إيه وعمل ايه قبل كدة .. مش هانقدر نعرفه كويس ؟ ونحكم عليه ينفع يبقى ريس لينا ولا لأ ؟ هل هايبقى صعب قوي نختار ريس لينا في بلد فيها كل الإمكانيات والقدرات اللى شوفناها الأيام دي ؟ مجرد سؤال ..

7 – يجب محاكمة الرئيس : تعالى بس مالك اتخضيت كدة ليه، محاكمة الرئيس دي مش كلمة وحشة على فكرة، ممكن نحاكمه ويطلع بريء ( لو انت واحد مـ اللي عيطوا من خطابه ولا حاجة ) خليك معايا واحدة واحدة كدة، أي حد في الدنيا بيعمل شيء صالح بنكافئه ، ولو عمل شيء غير صالح بنعاقبه، أنا ماقدرش أعرف مبارك عمل ايه السنين دي كلها، الراجل بيحكم البلد من قبل ما ابويا يكتب على أمي، وماعرفتش أزوره في قصر الرياسة خالص الحقيقة ولا أتابع تنفيذ سياساته، أي نعم بعتله شوية جوابات كتير وأنا صغير بس مكانش بيرد عليا خالص، لكن اللى اعرفه إنه ما شاء الله عاصر وتعامل مع ناس كتير، يقدروا يتكلموا عنه أحسن مني ومنك، وهل هو عمل لصالح البلد فعلاً ولا لأ .. لو هو شايف إنه بريء ونضيف وفلوسه الـ 40 ولا 70 مليار دول - أيا كان الرقم - من عرق جبينه، - على أساس مثلاً إنه كان بيشتغل (فري لانسر) مع كل شركات العالم من ورانا (علشان العين وحشة) طول السنين دي من مقره السري بمقر الرئاسة - لو هو شايف إنه فلة شمعة منورة، نعمله محاكمة حلوة صغيرة كدة، وتستجوب شهود مـ اللى تعاملوا معاه مادياً من وزراء ورجال أعمال وأصحاب مصالح داخل مصر وخارجها وكل كائن تعامل مع هذا الباشمهندس وعائلته ، ولو المحكمة برأته وثبت بالدليل القاطع إنه بريء وعمره ما سرق ولا نهب ولا استغل سلطاته لا هو ولا عيلته في أموال المصريين، وإن الفلوس دي طلعت ورث من جوز عمته الله يرحمه، مستعد أروحله ومعايا الناس كلها نعتذرله ونقوله إحنا أسفييييييييين يا صلاااااااااح ! إن شا الله يحكمنا 15 فترة كمان .. ده من حيث المحاكمة المادية ..

من ناحية الإجرام اللى حصل في المظاهرات دي بقى ، وبغض النظر عن أي حوادث إجرام حصلت قبل كدة في عهده، فانا عاوز واحد بس يثبتلي إن مبارك مش مسئول عن الناس اللى ماتت دي .. واحد بس يقنعني بكده وأنا هاسكت علطول .. يعني لما عرف في الأيام الأولى إن في مئات من الشباب ماتت، كان ايه تصرفه ؟ هل ضرب العادلي على إيده مثلاً وقاله بالراحة شوية عـ العيال مش كدة؟ ولا قاله: ماهم مامشيوش اهو يا ابن الكلب، اقتلنا

حبة كمان خلينا نخلص مـ العيال دي. ولا خاصمه وبطل يكلمه .. ولا نيـّل ايه بالظبط ؟ ولا هو ماحدش قاله أساساً ؟

8 – إزاي نكرّم الرئيس ؟ سؤال طرحه العديد من مشجعي مبارك، وشردت فيه قليلاً، فكرت في ماتش اعتزال يلعب فبه ويجمعهم جميعاً ونحكم نحن عليه ونكون نحن متفرجينه أيضاً .. ولكني تذكرت ملايين مواضيع التعبير التي كتبتها عنه أنا وأجيال سبقتني وأجيال تلتني في مراحل التعليم المختلفة، ورسمه في حصص الرسم .. وصورته فوق كل سبورة وبكل مكتب عام، (وتلك من تفاصيل تأليه الحاكم التي تحدثنا عنها منذ قليل) تذكرت مشهده السنوي والسادات يقلّده وسام نجمة الشرف بعد حرب اكتوبر، تذكرت أوبريتات اكتوبر السنوية التي ظلت تمجده وتسبح بنضاله الشنيع المريع في حرب اكتوبر وتذكرنا به كل لحظة، ومشهده الخالد وهو يشرح لنا (دخلنا .. هجمنا على جميع وسائل الدفاع الجوي .. هجمنا على مطارات العدو الموجودة في سينا .. هجمنا على مراكز القيادة.. دمرنا 95 % بدون مبالغة ) .. في حد فيكو مش حافظ المشهد ده زي اسمه ؟ تذكرت اليافطات المعلّقة له في كل مكان في الجمهورية، والأماكن والمنشآت المسماة باسمه، بصراحة أنا مش عارف إزاى نكرمه أكتر من كدة (ده بيركب ببلاش)، مع بس ملاحظة صغيرة: إنه لما اتعين قائد للقوات الجوية ماتعينش عشان يوزع عـ العساكر بيبسي وكولا .. وكونه يموّت نفسه في الدفاع عن مصر ده مش أوبشن منفرد نزل في النسخة بتاعته هو بس وتميزه عن غيره، ماعتقدش في حد مـ اللى حاربوا في اكتوبر كان رايح يتسلّى، بل بالعكس، التأليه الفظيع لمبارك ودوره في اكتوبر ده دارى على ناس كتير جداً أكثر أهمية منه بكثير، ولو سألت ناس كتير عنها دلوقتي ولا هاتعرف عنها أي حاجة، أبسطهم اللى عرف إيه سر خط بارليف أصلا وإزاي يتخلصوا منه ويوقعوه ، وهو اللواء باقي زكي يوسف، وناس كتير زي الشاذلي والجمسي وغيرهم كتير مـ اللى ما أخدوش ربع تمن عشر التكريم والتظبيط اللى اتظبطه مبارك .. ده غير وجوده كصفحة أولى دائما في جميع الجرائد للحديث عن إنجازاته يومياً، ( الله يخرب بيتك أنت ورانا ورانا في كل حتة ؟ ) لدرجة إنه يتعمله صورة تعبيرية تجعله يقود أوباما والعالم للسلام .. انا بيتهيألي إنه اتكرم أكتر من فراعنة كتير حققوا انجازات عاشت لآلاف السنين .. فمعلش كفاية تكريم لحد كدة .. وكتر خيرنا قوي كدة .. مش عاوزين الراجل يتأنزح علينا ولا حاجة ..

9 – كيفية خروج الرئيس : بصوا بقى عشان النقطة دي وجعوا دماغنا بيها .. سواء يخرج من باب الخدامين، أو يتشقلب أو يمشي عـ الحيط، يحل مجلس الشعب الأول ولا يحل الواجب ولا يحله على روحه، انا مافهمش في القانون والدستور غير مادة واحدة، الأمة مصدر السلطات، والأمة كلها نزلت لأمه في الشارع وقالتله أطلع برة، دستور ومش دستور بقى دي تحلوها يا سلطات قضائية ويا سلطات تشريعية في أسرع وقت لأن الشعب اللي بيغلي ده واللى انفجر عن بكرة أبيه في وجه النظام، ماحدش ممكن يقف قصاد انفجاره التالي لو حصلت استفزازات أو مماطلات من الحكومة بأي شكل .. حوار بقى هيبته ومش هيبته فـ دي انسوا انها تحصل .. العالم كله شاف هو عمل فينا ايه .. الأطفال في أمريكا بيهتفوا ضده .. وبرة مفيش بقى حوار ابويا وخالتي والجو ده .. ولا مايعرفش ولا مخبيين عليه .. في حاجة اسمها رئيس وفي وزارة داخلية تحت سيطرة الرئيس المفروض تحمي الشعب مش تجري وراهم وتقتلهم زي ما كان الأمريكي القديم بيجري ورا الهنود الحمر ويذبح فيهم ويولّع في خيامهم .. مبارك أصبح بالنسبة للعالم كله مجرم .. ولو خلص الحوار على إننا قولناله خليها علينا المرة دي، واطلع يا عم خلاص مش عاوزين منك حاجة .. لو سامحناه على الفلوس اللى سرقها والذل والبهدلة، مش هانعرف نسامحه على دم اللى ماتوا .. ولو حصلت وخرج معزز مكرم وقعد في بيته، العالم كله هايتف علينا عن جدارة واستحقاق .. بعد ما العالم كله انبهر بينا ومش مصدق اللى حصل، مع العلم ان العالم المتحضر كله بعيدة عنه تماما أحداث العنف والقتل الغبي المتعمد اللى حصلت في المظاهرات عندنا ، لذلك هما شايفينا أبطال بشكل غير عادي لأننا صمدنا ومازلنا .. فياريت مانضيعش احترام العالم لينا اللى ما صدقنا حصلنا عليه - والأهم منه احترامنا لأنفسنا - بسبب حجج فارغة، وعواطف لا تسمن ولا تغني من جوع .. وأي حد يدافع عن الرئيس ويقولي كرامته ومناخيره وتاريخه، يكتبلي كدة إقرار بإنه يتحمل كمية الدم اللى سقطت على أرض مصر دي، وإنه مستعد هو اللى يتسأل عنها .. اتفقنا ؟

10 – عمر سليمان : ما أسخم من ستي إلا سيدي ..

لا يصلح سوى أن يكون الوجه الذي يرفعه لنا مبارك أثناء انشغاله بإكمال مسرحيته ، أو ذهابه لقضاء حاجته ..

11 – حرية عظماء مصر على أرضها: كل العظماء والعباقرة اللى النظام السابق كان بيكرشهم ويضيق عليهم ويتجاهلهم ويتجاهل أفكارهم للرقي بالبلد وإعلاء مستواها، هايرجعوا دلوقتي بكل شوقنا ليهم وحبنا ، وعلمهم ومقدرتهم على الإصلاح، زي فاروق الباز وزويل وعمرو خالد وكل الدعاة والعلماء والمصلحين وأسماء كتيرة جدا مش على بالي أو هاتظهر الأيام الجاية، واللى هاينوروا وش مصر أكتر إن شاء الله ..

12 – بقينا نعرف نغني أغاني وطنية بجد : أغاني مالهاش علاقة بالانتخابات ولا بالريس ولا بالكورة، أغاني ليها علاقة بمصر فعلا و بينا، بقينا عارفين علم مصر يعني ايه، بقينا عارفين نبص في وشوش بعض ونضحك ونحس بالفخر والعزة، عرفنا احنا مين كويس .. وبس .. ودي بالذات كنا محتاجين نعرفها قوي ونتمنى نفضل عارفينها علطول ..

13 – السادات قال في فيلم أيام السادات جملة لن أنساها : إذا أردت أن تحلم فاحلم بحذر .. لأن أحلامك ممكن تتحقق فعلا . دلوقتي احنا حلمنا في الحرية اتحقق ولسه هايتحقق أكتر إن شاء الله ، هل إحنا قد الحرية دي ؟ هل هنحافظ عليها وهناخد بالنا من بعضنا على أساسها ؟ هل معاملتنا هاتتغير لبعض وعطاءنا لبلدنا هايختلف فنقدر نعلى بيها بجد، بعد ما كسرنا عدة قيود من اللى كانت مكتفانا ؟ هل هانقدر نحافظ على حلمنا وثورتنا وماحدش يسرقها مننا ؟ هل هانعرف نوعِّي كل اللى مش فاهم ونخليه يصدق اللى حصل ويصدق قدرة مصر .. ويفهم معنى اللى حصل كويس ؟ ده اللى لازم ناخد بالنا منه قوي الفترة الجاية ..

وبس

يمكن تكون أطول حاجة كتبتها .. بس حبيت أسجل فيها كل آرائي بقدر الإمكان .. للتسجيل في حد ذاته .. ولكي أفرغ كل ما في عقلي من زخم .. ولأشارككم آرائي بنحو مكثف ..


السبت، 22 يناير، 2011

نبوءات الساحرة السمراء


نبوءات الساحرة السمراء

- - - - - - - - - - - - - - - - - - -


مبتدأ :


"هذا هو اسمُكْ .."

قالت ..

ولم تغـب في الممر اللولبيّ ،

كامرأة محمود !

وباحتفاء درويشيّ

لا يكذبْ ..

همست إلي أن :

اقتربْ !

وشرَعت في التجلّي ...

.

.

.

1-

" بضع سنوات تتيهَ في الأرض

فلا تأسَى عليك امرأةٌ

بالنجم أنت مهتدٍ

تَراهُن يُومضون

ويَمضون

فتمضي إلى اللاشيء

حتى تهتدي بي

إليّ "

.

.

كغصنٍ شجرة عجوز ..

كان قوامها

هشة .. نحيلة ..

مشيها كالطيران برهاناً على

درويشيّـة التكوين

كعصفور بَنى عشه في الهواء

فيطير في سكونه وإن لم يطِر ..

جاءتني ..

في هالة من النور،

والتيه ..

ليُغنيني صمتها البليغ عن الصخب

فأستلذ بحديثها الذي أترقب

وأنتظر ..

.

.

.

2-

" ولسوف تـُبتلى بحبهن

اللعنة ليست أن يكرهك النساء

فهذا عليك هيّن

بل هي أن تطوّح بين أهوائهن

حتى تلتقط بالكاد أنفاسك

فتكون أوهى من صدّهن

وأكثر تحليقاً من أن تستبقيك أرضٌ بها

فيرتدي لسانك الرفضَ

الذي يتأخر ..

فلا يكون مهذباً !

وتقترف النسيان الذي لا يُغتفر

لذا ستـُبتلى

وتـُبتلى

وبكل كتاب تـُلعن "

.

.

أَطَمَعٌ مني أن أسألكِ الفهم ؟

ماذا يدين رجلاً ..

لا يغفر ألّا تفهمه امرأته

ويغفر ما دون ذلك ؟

ماذا لو كنتُ صندوقاً بألف قفل

أهداكِ - دون سواكِ - كل مفاتحه ..

هل يُلام إن ظل مغلقاً على نفسه ؟

لو كنتِ أوهن من فتحه فلمَ تحاولين ؟

ماذا لو أُغلق على أناملك،

فأدماها ؟

فقط تسلِّلين إليه مزيداً من الظلمة ..

ومزيداً من الدماء !

والوجع

.

.

.

3 -

" يصيبك الملل العظيم

ملل من عاش ومات

وحوسب ونال جزاءَه

وعاد للدنيا يكرر ذات الأمر من جديد !

فتزهد حتى في الزهد !

سيزيف يلقى صخرته في وجه آلهته

ويقعد يتسلّى بمشاهدة محاولاتك الساذجة

لكتابة قصيدة تعلم أنك لن تتمها

تستجدي بها ألمك أن يهجرك

ويتخذ الحروف سُكنى "

.

.

أكره كل شيء يربطني إلى شيء

يمرضني كل ما هو منظم ..

ولا أتعافى من عشوائيتي

هل رأيتيني مرة مرتدياً ساعةً ؟

أو جئتك مرة في ميعادي ؟

حتى حزامي ، ما كنت أتركه يلفني

لولا أنه يقوم بما ..

تعجز عنه نحافتي !

أحس بلامنطقية الأشياء

من يملك أن يؤكد

أن المنطق منطقيٌ ؟

.

.

.

4-

" ستقاسي الغياب تلو الغياب

ولا تستطيع نبوءتي أن تغير شيئاً

فالوحدة مرضك

ودوائك

والناس لا يحملون إليك من البهجة

بقدر ما يحملون إليك من الوجع

تلمح في أعينهم :

ما أنت إلا بشر مثلنا

وتظل تأمل أن تقنعهم ..

بأنك نبيّ !

فيكفرون بك

وتستمر ملحمة الغياب "

.

.

ولي سيدتي في كل خطوة أخطوها ألم

فشل الطبيب حين أراد أن يخلصني من وجعي

أن يستخلصه كله ..

ترك بعضه معي ليصاحبني

وأصاحبه

ويكبر معي

نلقي على بعضنا البعض التحية في الصباح

وفي المساء .. ينام بجواري

وقد يذهب معي إلى السينما ..

ويتباهى بي أمام حبيبتي التي خبأت عنها سره

أحيانا يشتد بنا الخلاف

وأحاول طرده بأن أقتلني

فيحميني من ذاتي

بأن يوجعني أكثر

لأرتضي الوجع الأقل

وأرجع عما أنتوي.

اعتدت أن أمشي على أوجاعي حتى ..

أكلت الأرض من قدميّ


أيعقل إذاً أن أسرف في الوجع

سيدتي ..

حين عني ترحلين ؟

.

.

.

5-

" وستهوى سمراء ..

وما يدريك ما عشق السمراء !

عشق لم تتنسمه سماءك من قبل

ولم يسكن أرضك

سمراء يحوي عقلها السموات السبع

والأرض ..

فتأملُ أن تلج إليها من إحدى عينيها الواسعتين

لتصبح جزءً من عالمها الأزرق كلون حلمك

لديها شغفك الطفولي بالطيران

ومثلك ترجو أن يتعطل معها قانون الجاذبية

لدقائق

فقط لدقائق

كافية لأن تنسج أغنية من بضع سحابات بيضاء

وبعض الفساتين لإبنتها المستقبلية "

.

.

كيف أصير يوماً ما أريد

وأنا لا أدري ما أريد ؟

لا أشغل نفسي بانتظار شيءٍ

ولا أترقب تحقق أمانيّ من عدمه

لا أحس بمضيّ التواريخ

ولا خفة ذاكرتي التي لا تحتفظ بشيء

فقط يشغلني القدر الهائل من السخرية

الكامن في كل شيء حولي ..

فقط أفكر في كل المستحيلات الممكنة الحدوث ...

أفكر مثلاً في فرصة أن أستقل قطاراً

وأنا أقرأ كتاباً عادياً جدا ..

ليس من أكثر الكتب مبيعاً، ولا لكاتب مشهور

فيصادف أن فتاة جميلة تجلس بالمقعد المجاور

تقرأ نفس الكتاب !

فننظر لبعضنا البعض ونبتسم

دون كلام ! ..

.

.

.

6-

" في رأس العام .. يموت عزيزٌ عليك

لم تتخيل يوماً فقده

لم تضمه مرةً إليك بقدر ما تحبه

بحجة أن المشاعر يمكن أن تؤجل !

ولذا تصيبك بدايات الأشياء ونهاياتها دوماً ..

بالاكتئاب "

.

.

ماذا لو كان الضياع فيكِ أحلى من التحقق دونك ؟

ماذا لو صرتُ لاشيء ،

لا شيء يدرك مروره كالطيف بعالمك

فيصير شيئاً من جديد .. ؟

ماذا لو استطعت أن أجعل منك أنا أخرى

فأضمن أن لا أوجع حين أوجع

إلا أنا ؟

.

.

.

7-

" ستموت صغيراً

وأنت تجاهد أن تستبقي آخر قطرة فن لديك ..

ولا تفزعك الرؤيا بقدر ما يفزعك الانتظار

ويؤرقك السؤال:

متى؟ "

.

.

ليس السؤال متى .. ولا لماذا ..

ولكن كيف ؟

كيف تنساب حروف اسمي الأربع إلى أعلى

لتتجمع بين يديّ خالقها

هل ستذهب كاملة ؟

هل سأفقد نقطتي حرف التاء ؟

هل سأدرك ما أنا ..

ومكاني من الأنا ؟

أتشاغل بأن أفعل كل ما وجدتني أفعله

وأكثر ..

و أبرر لنفسي ألا ضرر في أن أبقى وحيداً

وقد ظللت وحدي كل هذه الأعوام

دون أن أتركني

ولم يبق لي إلا أنا

ولم يصغِ إليً سواي ..

.

.

.

منتهى :


هذا هو اسمُكِ

ترينه وإن عجزتُ عن البوح

وأنت ببعض منك تعرفين ..

من تملك كل أسباب غيابي عني

ورحيلي إليّ

كنت أحلم أنك أقوى

وأعلم هشاشتك .. كخاطرة .. كغمامة بيضاء

أخشى ألا تعرفين كيف تتسلقين خواطري إلى عقلي الطفل

أو ألا أستطيع أن أمسك بيدك حين تزل قدمك

على قمة جبلي الأزرق ..

ولكني سأجتهد .

.

.

.


كتبت في الفترة من 12/2010 إلى 1/2011

الثلاثاء، 4 يناير، 2011

يلفـُّـنـا السـواد



يلفـُّـنـا السـواد


مبدئيا أحب أن أخلع عني رداء فاهم الأمور، ومحلل الأحداث، وقاريء الكف، الرداء الذي يحب أن يرتديه الكثيرون في مثل هذه المناسبات، وأؤكد أنني لا أفهم شيئاً على الإطلاق مما يحدث، وكل ما سأقوله الآن لن يفيدك بأي شيء، ولكنه مجرد توثيق لأفكاري، لكي أقرأها بعد سنوات – لو كان لي عمر ولم أنفجر – وأقول: يااااه ، مانا كنت فاهم أهو .. أو: ياااااااه ، ده انا كنت عبيط قوي ..


البداية يعلمها الجميع : أن الله الذي خلقنا، أعطانا حرية الإيمان به من عدمه ، ونحن نرفض أن نعطي لبعضنا البعض أية حرية من أي نوع ! كيف تجرؤ على ألا تؤمن بما أؤمن به ؟ هل أنت أذكى مني ؟ بالتأكيد لا .. لابد أنك أكثر غباءً وضيق أفق بكثير لتفعل شيئاً لا أفعله .. لتشجع نادياً لا أشجعه .. لتعتنق فكرا سياسيا لا أسير عليه .. أو حتى لو أعجبت بفنان لا أعجب به، لابد أن أسخر منك ومما تؤمن به وأحقر من شأنه ، وأؤكد لك في كل لحظة مدى الهوة السحيقة التي تقع فيها ومدى سذاجتك وتفاهة ما تؤمن به ... لماذا ؟ فقط لأنه ليس ما أؤمن به .. فقط لأنك لست أنا .. والأدهى أنني لا أقبل منك أن تعاملني بالمثل لأنني لا أضع نفسي أبدا مكانك .. ولِمَ أضع نفسي مكانك طالما أن مكاني هو الصحيح ؟ ولو وجدتك متفقاً معي – مصادفة – فسنبحث عن آخر يختلف عنا ونعامله بتلك الطريقة سوياً !

لن أتكلم عن الحادثة ذاتها لأني أراها ليست هي القضية ، نعم ليست هي القضية ، الإرهاب موجود في كل أنحاء العالم ولابد من قنبلة تنفجر هنا أو هناك من حين لآخر ، وفي كل مكان هناك من يجهز قنبلة ما ليفجرها في مكان ما، لغرض أو لآخر، أنا نفسي لو لم أكن أعمل شيئاً ما في حياتي لاشتركت بأول منظمة إرهابية أمر بها في هذا الزمن المُحبط العبثيّ إلى أقٌصى حد، أما القضية فهي أنه أصبح من الممكن غرز أية مفاهيم في عقل أي شخص في لحظات، فلا يفرق بين يمينٍ ويسار، ولا بين أوامر الله الواضحة الصريحة، وبين تفسيرات وتأويلات المفسرين لها، والذين يفسرونها كما يرتضون هم، دون أن يفكروا ولو للحظة في الأخذ بأكثر من رأي .. فالرأي الأوحد أسهل دائماً، ويرضي ويشبع تلك المساحة الصغيرة جداً، الضيقة جداً المخصصة لتشغيل المخ في عقولنا، والتي لم يتبقى غيرها، بعد أن أكل الجهلُ أمخاخنا وأكلتها نتائج المباريات، وحركة دوران المدربين واللاعبين بالأندية المختلفة، ومن هن (الفنانات) اللاتي يرتدين (من غير هدوم) هذا العام، وآخر صيحة في (وصلات الردح) بين أطياف المجتمع المختلفة من فنانين وسياسيين ومن يطلق عليهم رجال دين، وغير هذا كثير .. فلا يتبقى بعد كل هذا الشغل الشاغل والجهد الجهيد، إلا مساحة ضيقة جدا من الرؤية لا تصلح أبدا لاحتواء أكثر من رأي ..

الحادثة ما هي إلا اختبار قاسٍ لمشاعر المسلمين والمسيحيين تجاه بعضهما البعض، مئات الناس يموتون سنويا، جراء الإهمال الحكومي، وليس عنا ببعيد حريق قصر ثقافة بني سويف وقطار الصعيد وصخرة الدويقة وغرق إحدى (العبارات اللي بيغرقوا) عبارة السلام .. وقد اختبرتنا حكومتنا الجميلة في هذا كثيرا ونحن ننجح في الاختبار دائماً، نغير صور بروفايلاتنا ونثور قليلاً وسرعان ما ننسى الأمر، ونعتاده، حتى أصبحت فكرة أن يموت (المصريون) هباءً ولا نستطيع أن نأخذ حقهم، ولا حتى إصلاح ما تسبب في إزهاق أرواحهم، أصبحت تقليدية جدا ومكررة جدا حد السخافة، وأعتقد أنه لو مرت فترة دون أن تحدث مصيبة ما في البلد فسنشعر بخلل شديد.. وفكرة أن الأمن لا يحمي سوى النظام، وليس لديه الوقت ليقوم بحماية الناس على الإطلاق أصبحت مفهومة ومستساغة وأغلب الناس قد اقتنعوا بها، كما أنها ليست الحادثة الأولى التي تحمل صبغة الاحتقان الطائفي ولن تكون الأخيرة، طالما ظل أمننا مشغولاً بألا يقترب أي كائنٍ كان من الدائرة المحيطة بالنظام فحسب .. باختصار تقطعت كل أواصر الثقة بين الشعب والحكومة منذ زمن، ولكن الجديد هذه المرة والذي أصبح ملموساً تماما هو قطع أواصر الثقة والأمان بين الشعب والشعب ..!

وهنا نعود لقضيتنا الأساسية وهي إمكانية غرز أية مفاهيم في عقل أي شخص في لحظات،: ما مدى تقبلك لشريكك في هذا الوطن ؟ ما مدى ثقتك فيه وفي أنه يحبك وحريص عليك ؟ ما مدى تقبلك لوجوده بجوارك يمارس حياته وحقوقه بشكل طبيعي تماما، لا يقل عنك ولا يزيد ؟ ما مدى ثقتك في أبناء دينك أنت وأنهم معتدلون ولم يصل أحدهم إلى التطرف ؟ هل ثمة عداوة بين أحدكما وبين الآخر ؟ هل انتزع أحدكما حقاً من حقوق الآخر ؟ حاول أن تجيب عن تلك الأسئلة مرة أخرى واضعاً نفسك مكان الآخر .. لو استطعت أن تجد إجابة معتدلة منطقية على كل هذه الأسئلة ولا يستطيع أحد أن يشكك بشأنها لديك، فأهلا بك في أرض وطن قابل لأن يقاوم مشاكله ولا يغرق، وإن لم تجد، أو كان من السهل أن يشكك أحدهم بشأنها لديك، فأهلا بك في قاع المحيط، ودَع العالم يعيش على جثتك، وافرح بضياعكما سوياً ..

سيدي المؤمن بوجود الإله، المؤمن بالحق والخير والفضيلة، المؤمن بأن الإنسان بكل أطيافه وعقائده هو وحده خليفة الله في الأرض ، وأن الله خلقنا أمماً وشعوبا لنتعارف على بعضنا البعض، وأن أكرمنا عند الله أتقانا، أكثرنا حرصا على تنفيذ أوامر الله، وحرصاً على بقاء الخير في الإنسانية وتعمير الأرض، لا تبحث عن ما يميزك عن الآخر، اكتفِ بالبحث عما تشتركان فيه سوياً، إن ما يميزك عن الآخر هو اختيارك لما أنت عليه، وهذا يكفي، لا تحتاج أن تظهر العيوب أو الأخطاء في الآخر، يكفي تماما أنك اخترت موقفك واخترت أن تكون ما أنت عليه، لا تحتاج أن تتحدث عن أنهم كافرون، والبحث في دلائل كفرهم، فهم يمكنهم أن يفعلوا معك المثل، فتصبحون في دائرة مغلقة، ولو تخيلت نفسك الأقلية في بلد أغلب من يسكنها من ديانة أخرى، ستدرك أهمية ألا يشغلك سوى ما تشترك فيه مع الناس وليس نواقصهم لديك، فصدقني الخيط الفاصل بينك وبينهم واهٍ جداً، ستثور عليّ وتحتد وتقول إنهم يقولون على الله كذا وكذا، فأقول لك: هل الله رفضهم؟ هل طلب منك أن تأخذ له حقه مثلا؟ لابد أنك تعلم أنه لو آمن من في الأرض كلهم جميعا لن يزيد ذلك في ملك الله شيئا ولو كفر من في الأرض كلهم جميعا لن ينقص ذلك من ملك الله شيئاً .. ولابد تعلم قصة عابد النار الذي مر ببيت سيدنا إبراهيم فطرده إبراهيم عندما رآه يسجد للنار، فأوحى إليه ربه: "أنا أحتمله كل هذه السنين وأنت ترفض أن تحتمله هذه الدقائق؟" أنا لا أطالبك بأن تغض البصر عن ما ترفضه في ديانات الآخرين، بل أطالبك باحترامها، أطالبك باحترام أهمية الصليب بالنسبة إليهم لو كنت مسلماً، واحترام كنائسهم وصلواتهم، وكل ما يقدسونه، احترمه ولا تسخر منه، فبدون هذا تعطي لهم الحق في السخرية من مقدساتك بالتبعية، حتى إن كنت أنا وأنت نعلم أن رؤيتهم ليست كرؤيتنا، ما مشكلتك في هذا؟ أنت رفضت رؤيتهم تلك واخترت الإسلام دينا، ويكفي هذا الموقف منك، لا تحتاج دليل أكبر لكي تعترض على ما في دينهم! ولكن فقط ضع نفسك مكانهم، أو تخيل نفسك في بلد مسيحية أوروبية، وسخر أحدهم من سجادة صلاتك أو أذكارك أو أي شيء تقدسه، ماذا سيكون رد فعلك؟ هل سيدفعك هذا إلى تغيير ديانتك مثلا؟ أم ستزداد تمسكا بها وغضباً ممن سخر منك؟

أنا لا أستطيع أن أطالب الأمن بحمايتنا، فأنا أشفق عليه بعد ما حدث أن يحمي نملة، خاصة وأن لنا باع طويل معهم في (تكبير مخهم مننا) .. وأخشى أن الحادثة التي نفذت بمنتهى السهولة وبعد تهديدات واضحة وصريحة ردت عليها الحكومة بأنه (عاوزين راجل بس ييجي هنا واحنا هانطلع عين أمه) فطلع عين أمنا احنا كالعادة، أخشى أنها ستغري كل طفل يلهو بالكبريت أن يأتي لبلد الأمن والأمان ليلهو قليلاً فالأمر أصبح سهلاً ومسلياً، ومشعلوا الحرائق جاهزون دائماً يجهزون لنا جحيما مستعراً .. ولولا ستر ربنا لكنا احترقنا منذ زمن، ولكني أستطيع أن اطالبك أنت أيها المواطن بأشياء بسيطة جداً جداً تفعلها، تمنع تماماً أية فتنة يمكن أن تحدث، أطالبك أن تهنئهم في أعيادهم وتزورهم وهم مرضى وتصاحبهم، أحبهم واجعلهم يحبونك، لا تضع حدا فاصلا بينك وبينهم أبدا، فلا يفصل بينكما سوى علاقة كل منكما بربه والتي لا يحق لأحد التدخل بها، ولو أزلت تلك الفروق بينك وبين الآخر لوجدت أنكما لا تختلفان في شيء .. وكما قَبَلَكما الله معاً وقَبَلَ غيركما كثيرين، يسهل عليكما أن تقبلا بعضكما البعض ..

القضية أننا شعب واحد شئنا أم أبينا، وبدون شعارات فارغة وادعاءات تغيب عنها الحقيقة نحن واحد، لن تصحو يوماً لتجد نفسك أنت ومن يدينون بدينك وحدكم في هذه البلد ! ولا تفرق عصا الأمن المركزي بين قفا أحدنا وقفا آخر في المظاهرات، ولا تكف دعاية الحزب الوطني عن إقناعنا بأن أولادنا (هانطمن على مستقبلهم) .. ومعاً معرضون لأكياس الدم الملوثة، والماء والهواء الملوثين، ومعاً نعاني من ارتفاع سعر الطماطم والسكر، إلخ إلخ .. الخلاصة إن فكرة كوننا شعب واحد ونعاني من نفس المشاكل فكرة بديهية لا تحتاج أن يدلّل عليها، ولكن المشكلة هو كل ما يقال إثر حادثة كهذه وما يتم تداوله بين الناس بسببها، تخيل فقط الأطفال الذين خرجوا من الكنيسة تحفهم مظاهر الاحتفال والفرحة، ليفاجئوا بهذا الانفجار وهذه المشاهد التي شاهدناها بأعينهم، ويفقدوا الأب أو الأخ أو الأم .. ثم يكبروا قليلا ليجدونك لا تهنئهم في أعيادهم، وتتجنبهم، وتخبر أولادك ألا يصاحبوهم في المدرسة، وتسخر من صلبانهم، ولا تحاول أن تقترب منهم بأي شكل أو بآخر، حاول أن تقنعهم في تلك اللحظة إذاً يا فالح بأن من قام بتلك الحادثة ليس مسلماً وأنه من المؤكد (كخة) من خارج البلاد.. وأن المسلم فلة شمعة منورة لا يفعل تلك الأشياء .. كيف ستقنعها وهي التي لم تر منك حسناً من قبل ؟ لو كانت ترى منك حسناً كانت ستصدقك أصلا دون أن تتكلم ..

تعلمنا من قبل أن الإعلام يستطيع أن يهدم في خطوة واحدة كل ما بناه التعليم في سنوات، ولنا في موقعة الجزائر خير دليل، ولا أقصد بالإعلام هنا الفضائيات فحسب، بل أقصد الكلمة المسموعة بوجه عام، الكلمة المسموعة ذات التأثير التي يتناقلها الناس فيحلون بها مشكلة في لحظات، أو يخربون بها العالم في لحظات أيضاً، الكلمة المسموعة التي تجعل ممثلا مثل عادل إمام يخرج في إحدى الإعلانات ويتقاضى مبلغاً مهولاً نظير أن يتحدث في ثوان عن أن: (كلنا واحد وإننا جامدين وحلوين وكل ما نتكلم أكتر في التليفون كل ما هانبقى أقوى وأحلى وتبقى شبكة الاتصالات دي رقم واحد) !.. بضعة كلمات كهذه كفيلة بأن تشعر بالفخر لانتمائك لهذه الشركة، وتسرع للاتصال بأحدهم تبثه أشواقك وحبك فوراً ! الكلمة المسموعة التي أسعى لها هنا والتي أرى أنها وحدها ستصلح ما أفسدناه على مدى سنين من الزيف والتخفي وراء شعارات غير حقيقية، هي الحب، إذا استطعت أن تحب صاحب الديانة الأخرى وتجعله يحبك، ستحل المشكلة، سيحدث انفجار واثنان وعشرة دون أن يهز هذا شعرة لديك أو لديه، فأنت تعلم أنك تحبهم وتعلم أنهم يحبونك، لن تصدق أبدا أن من يفعلها منهم، ولا منك .. فقنبلة الفتنة الطائفية لا تتفجر مرة واحدة، وإلا لانتهت مصر منذ زمن، بل هي تلسع ببطء، وتحرق، وتجرح، حتى لا يستطيع المصاب شيئاً سوى الانفجار في النهاية، والذي سيكون انفجارا أقوى بكثير جداً من كل ما فجرته هذه القنبلة .. أرجو ألا يحدث أبداً، وإن حدث فأتمنى أن أكون أول من يموت فيه، لأني لست مستعداً لأرى تبعات هذا الانفجار في حياتي أبدا ...

لولا ماشاهدته حين ذهبت في اليوم التالي من الحادثة لأتبرع بالدم من تهافت الناس على التبرع وسرعة توفير كمية الدم المطلوبة بزيادة في ساعات، لكان قد أصابني اكتئاب شديد لجم لساني، ومنعنى من الكلام، ولكن ما زال لدي أمل في أننا نستطيع أن نقلل من أصوات الجهلاء، ونستطيع أن نلمّ شتاتنا من جديد، بالكثير من المجهود، والكثير من الحب الحقيقي غير الزائف، المقتنع بحق الناس جميعا في الحياة سوياً، وأن الله وحده يملك حق التفريق بين كل واحد وآخر، وأنه ليس السبيل لتكون أفضل أن تعيب في الآخر، بل أن تكون الأفضل في ذاتك، فحسب ..