السبت، 22 يناير 2011

نبوءات الساحرة السمراء


نبوءات الساحرة السمراء

- - - - - - - - - - - - - - - - - - -


مبتدأ :


"هذا هو اسمُكْ .."

قالت ..

ولم تغـب في الممر اللولبيّ ،

كامرأة محمود !

وباحتفاء درويشيّ

لا يكذبْ ..

همست إلي أن :

اقتربْ !

وشرَعت في التجلّي ...

.

.

.

1-

" بضع سنوات تتيهَ في الأرض

فلا تأسَى عليك امرأةٌ

بالنجم أنت مهتدٍ

تَراهُن يُومضون

ويَمضون

فتمضي إلى اللاشيء

حتى تهتدي بي

إليّ "

.

.

كغصنٍ شجرة عجوز ..

كان قوامها

هشة .. نحيلة ..

مشيها كالطيران برهاناً على

درويشيّـة التكوين

كعصفور بَنى عشه في الهواء

فيطير في سكونه وإن لم يطِر ..

جاءتني ..

في هالة من النور،

والتيه ..

ليُغنيني صمتها البليغ عن الصخب

فأستلذ بحديثها الذي أترقب

وأنتظر ..

.

.

.

2-

" ولسوف تـُبتلى بحبهن

اللعنة ليست أن يكرهك النساء

فهذا عليك هيّن

بل هي أن تطوّح بين أهوائهن

حتى تلتقط بالكاد أنفاسك

فتكون أوهى من صدّهن

وأكثر تحليقاً من أن تستبقيك أرضٌ بها

فيرتدي لسانك الرفضَ

الذي يتأخر ..

فلا يكون مهذباً !

وتقترف النسيان الذي لا يُغتفر

لذا ستـُبتلى

وتـُبتلى

وبكل كتاب تـُلعن "

.

.

أَطَمَعٌ مني أن أسألكِ الفهم ؟

ماذا يدين رجلاً ..

لا يغفر ألّا تفهمه امرأته

ويغفر ما دون ذلك ؟

ماذا لو كنتُ صندوقاً بألف قفل

أهداكِ - دون سواكِ - كل مفاتحه ..

هل يُلام إن ظل مغلقاً على نفسه ؟

لو كنتِ أوهن من فتحه فلمَ تحاولين ؟

ماذا لو أُغلق على أناملك،

فأدماها ؟

فقط تسلِّلين إليه مزيداً من الظلمة ..

ومزيداً من الدماء !

والوجع

.

.

.

3 -

" يصيبك الملل العظيم

ملل من عاش ومات

وحوسب ونال جزاءَه

وعاد للدنيا يكرر ذات الأمر من جديد !

فتزهد حتى في الزهد !

سيزيف يلقى صخرته في وجه آلهته

ويقعد يتسلّى بمشاهدة محاولاتك الساذجة

لكتابة قصيدة تعلم أنك لن تتمها

تستجدي بها ألمك أن يهجرك

ويتخذ الحروف سُكنى "

.

.

أكره كل شيء يربطني إلى شيء

يمرضني كل ما هو منظم ..

ولا أتعافى من عشوائيتي

هل رأيتيني مرة مرتدياً ساعةً ؟

أو جئتك مرة في ميعادي ؟

حتى حزامي ، ما كنت أتركه يلفني

لولا أنه يقوم بما ..

تعجز عنه نحافتي !

أحس بلامنطقية الأشياء

من يملك أن يؤكد

أن المنطق منطقيٌ ؟

.

.

.

4-

" ستقاسي الغياب تلو الغياب

ولا تستطيع نبوءتي أن تغير شيئاً

فالوحدة مرضك

ودوائك

والناس لا يحملون إليك من البهجة

بقدر ما يحملون إليك من الوجع

تلمح في أعينهم :

ما أنت إلا بشر مثلنا

وتظل تأمل أن تقنعهم ..

بأنك نبيّ !

فيكفرون بك

وتستمر ملحمة الغياب "

.

.

ولي سيدتي في كل خطوة أخطوها ألم

فشل الطبيب حين أراد أن يخلصني من وجعي

أن يستخلصه كله ..

ترك بعضه معي ليصاحبني

وأصاحبه

ويكبر معي

نلقي على بعضنا البعض التحية في الصباح

وفي المساء .. ينام بجواري

وقد يذهب معي إلى السينما ..

ويتباهى بي أمام حبيبتي التي خبأت عنها سره

أحيانا يشتد بنا الخلاف

وأحاول طرده بأن أقتلني

فيحميني من ذاتي

بأن يوجعني أكثر

لأرتضي الوجع الأقل

وأرجع عما أنتوي.

اعتدت أن أمشي على أوجاعي حتى ..

أكلت الأرض من قدميّ


أيعقل إذاً أن أسرف في الوجع

سيدتي ..

حين عني ترحلين ؟

.

.

.

5-

" وستهوى سمراء ..

وما يدريك ما عشق السمراء !

عشق لم تتنسمه سماءك من قبل

ولم يسكن أرضك

سمراء يحوي عقلها السموات السبع

والأرض ..

فتأملُ أن تلج إليها من إحدى عينيها الواسعتين

لتصبح جزءً من عالمها الأزرق كلون حلمك

لديها شغفك الطفولي بالطيران

ومثلك ترجو أن يتعطل معها قانون الجاذبية

لدقائق

فقط لدقائق

كافية لأن تنسج أغنية من بضع سحابات بيضاء

وبعض الفساتين لإبنتها المستقبلية "

.

.

كيف أصير يوماً ما أريد

وأنا لا أدري ما أريد ؟

لا أشغل نفسي بانتظار شيءٍ

ولا أترقب تحقق أمانيّ من عدمه

لا أحس بمضيّ التواريخ

ولا خفة ذاكرتي التي لا تحتفظ بشيء

فقط يشغلني القدر الهائل من السخرية

الكامن في كل شيء حولي ..

فقط أفكر في كل المستحيلات الممكنة الحدوث ...

أفكر مثلاً في فرصة أن أستقل قطاراً

وأنا أقرأ كتاباً عادياً جدا ..

ليس من أكثر الكتب مبيعاً، ولا لكاتب مشهور

فيصادف أن فتاة جميلة تجلس بالمقعد المجاور

تقرأ نفس الكتاب !

فننظر لبعضنا البعض ونبتسم

دون كلام ! ..

.

.

.

6-

" في رأس العام .. يموت عزيزٌ عليك

لم تتخيل يوماً فقده

لم تضمه مرةً إليك بقدر ما تحبه

بحجة أن المشاعر يمكن أن تؤجل !

ولذا تصيبك بدايات الأشياء ونهاياتها دوماً ..

بالاكتئاب "

.

.

ماذا لو كان الضياع فيكِ أحلى من التحقق دونك ؟

ماذا لو صرتُ لاشيء ،

لا شيء يدرك مروره كالطيف بعالمك

فيصير شيئاً من جديد .. ؟

ماذا لو استطعت أن أجعل منك أنا أخرى

فأضمن أن لا أوجع حين أوجع

إلا أنا ؟

.

.

.

7-

" ستموت صغيراً

وأنت تجاهد أن تستبقي آخر قطرة فن لديك ..

ولا تفزعك الرؤيا بقدر ما يفزعك الانتظار

ويؤرقك السؤال:

متى؟ "

.

.

ليس السؤال متى .. ولا لماذا ..

ولكن كيف ؟

كيف تنساب حروف اسمي الأربع إلى أعلى

لتتجمع بين يديّ خالقها

هل ستذهب كاملة ؟

هل سأفقد نقطتي حرف التاء ؟

هل سأدرك ما أنا ..

ومكاني من الأنا ؟

أتشاغل بأن أفعل كل ما وجدتني أفعله

وأكثر ..

و أبرر لنفسي ألا ضرر في أن أبقى وحيداً

وقد ظللت وحدي كل هذه الأعوام

دون أن أتركني

ولم يبق لي إلا أنا

ولم يصغِ إليً سواي ..

.

.

.

منتهى :


هذا هو اسمُكِ

ترينه وإن عجزتُ عن البوح

وأنت ببعض منك تعرفين ..

من تملك كل أسباب غيابي عني

ورحيلي إليّ

كنت أحلم أنك أقوى

وأعلم هشاشتك .. كخاطرة .. كغمامة بيضاء

أخشى ألا تعرفين كيف تتسلقين خواطري إلى عقلي الطفل

أو ألا أستطيع أن أمسك بيدك حين تزل قدمك

على قمة جبلي الأزرق ..

ولكني سأجتهد .

.

.

.


كتبت في الفترة من 12/2010 إلى 1/2011

الثلاثاء، 4 يناير 2011

يلفـُّـنـا السـواد



يلفـُّـنـا السـواد


مبدئيا أحب أن أخلع عني رداء فاهم الأمور، ومحلل الأحداث، وقاريء الكف، الرداء الذي يحب أن يرتديه الكثيرون في مثل هذه المناسبات، وأؤكد أنني لا أفهم شيئاً على الإطلاق مما يحدث، وكل ما سأقوله الآن لن يفيدك بأي شيء، ولكنه مجرد توثيق لأفكاري، لكي أقرأها بعد سنوات – لو كان لي عمر ولم أنفجر – وأقول: يااااه ، مانا كنت فاهم أهو .. أو: ياااااااه ، ده انا كنت عبيط قوي ..


البداية يعلمها الجميع : أن الله الذي خلقنا، أعطانا حرية الإيمان به من عدمه ، ونحن نرفض أن نعطي لبعضنا البعض أية حرية من أي نوع ! كيف تجرؤ على ألا تؤمن بما أؤمن به ؟ هل أنت أذكى مني ؟ بالتأكيد لا .. لابد أنك أكثر غباءً وضيق أفق بكثير لتفعل شيئاً لا أفعله .. لتشجع نادياً لا أشجعه .. لتعتنق فكرا سياسيا لا أسير عليه .. أو حتى لو أعجبت بفنان لا أعجب به، لابد أن أسخر منك ومما تؤمن به وأحقر من شأنه ، وأؤكد لك في كل لحظة مدى الهوة السحيقة التي تقع فيها ومدى سذاجتك وتفاهة ما تؤمن به ... لماذا ؟ فقط لأنه ليس ما أؤمن به .. فقط لأنك لست أنا .. والأدهى أنني لا أقبل منك أن تعاملني بالمثل لأنني لا أضع نفسي أبدا مكانك .. ولِمَ أضع نفسي مكانك طالما أن مكاني هو الصحيح ؟ ولو وجدتك متفقاً معي – مصادفة – فسنبحث عن آخر يختلف عنا ونعامله بتلك الطريقة سوياً !

لن أتكلم عن الحادثة ذاتها لأني أراها ليست هي القضية ، نعم ليست هي القضية ، الإرهاب موجود في كل أنحاء العالم ولابد من قنبلة تنفجر هنا أو هناك من حين لآخر ، وفي كل مكان هناك من يجهز قنبلة ما ليفجرها في مكان ما، لغرض أو لآخر، أنا نفسي لو لم أكن أعمل شيئاً ما في حياتي لاشتركت بأول منظمة إرهابية أمر بها في هذا الزمن المُحبط العبثيّ إلى أقٌصى حد، أما القضية فهي أنه أصبح من الممكن غرز أية مفاهيم في عقل أي شخص في لحظات، فلا يفرق بين يمينٍ ويسار، ولا بين أوامر الله الواضحة الصريحة، وبين تفسيرات وتأويلات المفسرين لها، والذين يفسرونها كما يرتضون هم، دون أن يفكروا ولو للحظة في الأخذ بأكثر من رأي .. فالرأي الأوحد أسهل دائماً، ويرضي ويشبع تلك المساحة الصغيرة جداً، الضيقة جداً المخصصة لتشغيل المخ في عقولنا، والتي لم يتبقى غيرها، بعد أن أكل الجهلُ أمخاخنا وأكلتها نتائج المباريات، وحركة دوران المدربين واللاعبين بالأندية المختلفة، ومن هن (الفنانات) اللاتي يرتدين (من غير هدوم) هذا العام، وآخر صيحة في (وصلات الردح) بين أطياف المجتمع المختلفة من فنانين وسياسيين ومن يطلق عليهم رجال دين، وغير هذا كثير .. فلا يتبقى بعد كل هذا الشغل الشاغل والجهد الجهيد، إلا مساحة ضيقة جدا من الرؤية لا تصلح أبدا لاحتواء أكثر من رأي ..

الحادثة ما هي إلا اختبار قاسٍ لمشاعر المسلمين والمسيحيين تجاه بعضهما البعض، مئات الناس يموتون سنويا، جراء الإهمال الحكومي، وليس عنا ببعيد حريق قصر ثقافة بني سويف وقطار الصعيد وصخرة الدويقة وغرق إحدى (العبارات اللي بيغرقوا) عبارة السلام .. وقد اختبرتنا حكومتنا الجميلة في هذا كثيرا ونحن ننجح في الاختبار دائماً، نغير صور بروفايلاتنا ونثور قليلاً وسرعان ما ننسى الأمر، ونعتاده، حتى أصبحت فكرة أن يموت (المصريون) هباءً ولا نستطيع أن نأخذ حقهم، ولا حتى إصلاح ما تسبب في إزهاق أرواحهم، أصبحت تقليدية جدا ومكررة جدا حد السخافة، وأعتقد أنه لو مرت فترة دون أن تحدث مصيبة ما في البلد فسنشعر بخلل شديد.. وفكرة أن الأمن لا يحمي سوى النظام، وليس لديه الوقت ليقوم بحماية الناس على الإطلاق أصبحت مفهومة ومستساغة وأغلب الناس قد اقتنعوا بها، كما أنها ليست الحادثة الأولى التي تحمل صبغة الاحتقان الطائفي ولن تكون الأخيرة، طالما ظل أمننا مشغولاً بألا يقترب أي كائنٍ كان من الدائرة المحيطة بالنظام فحسب .. باختصار تقطعت كل أواصر الثقة بين الشعب والحكومة منذ زمن، ولكن الجديد هذه المرة والذي أصبح ملموساً تماما هو قطع أواصر الثقة والأمان بين الشعب والشعب ..!

وهنا نعود لقضيتنا الأساسية وهي إمكانية غرز أية مفاهيم في عقل أي شخص في لحظات،: ما مدى تقبلك لشريكك في هذا الوطن ؟ ما مدى ثقتك فيه وفي أنه يحبك وحريص عليك ؟ ما مدى تقبلك لوجوده بجوارك يمارس حياته وحقوقه بشكل طبيعي تماما، لا يقل عنك ولا يزيد ؟ ما مدى ثقتك في أبناء دينك أنت وأنهم معتدلون ولم يصل أحدهم إلى التطرف ؟ هل ثمة عداوة بين أحدكما وبين الآخر ؟ هل انتزع أحدكما حقاً من حقوق الآخر ؟ حاول أن تجيب عن تلك الأسئلة مرة أخرى واضعاً نفسك مكان الآخر .. لو استطعت أن تجد إجابة معتدلة منطقية على كل هذه الأسئلة ولا يستطيع أحد أن يشكك بشأنها لديك، فأهلا بك في أرض وطن قابل لأن يقاوم مشاكله ولا يغرق، وإن لم تجد، أو كان من السهل أن يشكك أحدهم بشأنها لديك، فأهلا بك في قاع المحيط، ودَع العالم يعيش على جثتك، وافرح بضياعكما سوياً ..

سيدي المؤمن بوجود الإله، المؤمن بالحق والخير والفضيلة، المؤمن بأن الإنسان بكل أطيافه وعقائده هو وحده خليفة الله في الأرض ، وأن الله خلقنا أمماً وشعوبا لنتعارف على بعضنا البعض، وأن أكرمنا عند الله أتقانا، أكثرنا حرصا على تنفيذ أوامر الله، وحرصاً على بقاء الخير في الإنسانية وتعمير الأرض، لا تبحث عن ما يميزك عن الآخر، اكتفِ بالبحث عما تشتركان فيه سوياً، إن ما يميزك عن الآخر هو اختيارك لما أنت عليه، وهذا يكفي، لا تحتاج أن تظهر العيوب أو الأخطاء في الآخر، يكفي تماما أنك اخترت موقفك واخترت أن تكون ما أنت عليه، لا تحتاج أن تتحدث عن أنهم كافرون، والبحث في دلائل كفرهم، فهم يمكنهم أن يفعلوا معك المثل، فتصبحون في دائرة مغلقة، ولو تخيلت نفسك الأقلية في بلد أغلب من يسكنها من ديانة أخرى، ستدرك أهمية ألا يشغلك سوى ما تشترك فيه مع الناس وليس نواقصهم لديك، فصدقني الخيط الفاصل بينك وبينهم واهٍ جداً، ستثور عليّ وتحتد وتقول إنهم يقولون على الله كذا وكذا، فأقول لك: هل الله رفضهم؟ هل طلب منك أن تأخذ له حقه مثلا؟ لابد أنك تعلم أنه لو آمن من في الأرض كلهم جميعا لن يزيد ذلك في ملك الله شيئا ولو كفر من في الأرض كلهم جميعا لن ينقص ذلك من ملك الله شيئاً .. ولابد تعلم قصة عابد النار الذي مر ببيت سيدنا إبراهيم فطرده إبراهيم عندما رآه يسجد للنار، فأوحى إليه ربه: "أنا أحتمله كل هذه السنين وأنت ترفض أن تحتمله هذه الدقائق؟" أنا لا أطالبك بأن تغض البصر عن ما ترفضه في ديانات الآخرين، بل أطالبك باحترامها، أطالبك باحترام أهمية الصليب بالنسبة إليهم لو كنت مسلماً، واحترام كنائسهم وصلواتهم، وكل ما يقدسونه، احترمه ولا تسخر منه، فبدون هذا تعطي لهم الحق في السخرية من مقدساتك بالتبعية، حتى إن كنت أنا وأنت نعلم أن رؤيتهم ليست كرؤيتنا، ما مشكلتك في هذا؟ أنت رفضت رؤيتهم تلك واخترت الإسلام دينا، ويكفي هذا الموقف منك، لا تحتاج دليل أكبر لكي تعترض على ما في دينهم! ولكن فقط ضع نفسك مكانهم، أو تخيل نفسك في بلد مسيحية أوروبية، وسخر أحدهم من سجادة صلاتك أو أذكارك أو أي شيء تقدسه، ماذا سيكون رد فعلك؟ هل سيدفعك هذا إلى تغيير ديانتك مثلا؟ أم ستزداد تمسكا بها وغضباً ممن سخر منك؟

أنا لا أستطيع أن أطالب الأمن بحمايتنا، فأنا أشفق عليه بعد ما حدث أن يحمي نملة، خاصة وأن لنا باع طويل معهم في (تكبير مخهم مننا) .. وأخشى أن الحادثة التي نفذت بمنتهى السهولة وبعد تهديدات واضحة وصريحة ردت عليها الحكومة بأنه (عاوزين راجل بس ييجي هنا واحنا هانطلع عين أمه) فطلع عين أمنا احنا كالعادة، أخشى أنها ستغري كل طفل يلهو بالكبريت أن يأتي لبلد الأمن والأمان ليلهو قليلاً فالأمر أصبح سهلاً ومسلياً، ومشعلوا الحرائق جاهزون دائماً يجهزون لنا جحيما مستعراً .. ولولا ستر ربنا لكنا احترقنا منذ زمن، ولكني أستطيع أن اطالبك أنت أيها المواطن بأشياء بسيطة جداً جداً تفعلها، تمنع تماماً أية فتنة يمكن أن تحدث، أطالبك أن تهنئهم في أعيادهم وتزورهم وهم مرضى وتصاحبهم، أحبهم واجعلهم يحبونك، لا تضع حدا فاصلا بينك وبينهم أبدا، فلا يفصل بينكما سوى علاقة كل منكما بربه والتي لا يحق لأحد التدخل بها، ولو أزلت تلك الفروق بينك وبين الآخر لوجدت أنكما لا تختلفان في شيء .. وكما قَبَلَكما الله معاً وقَبَلَ غيركما كثيرين، يسهل عليكما أن تقبلا بعضكما البعض ..

القضية أننا شعب واحد شئنا أم أبينا، وبدون شعارات فارغة وادعاءات تغيب عنها الحقيقة نحن واحد، لن تصحو يوماً لتجد نفسك أنت ومن يدينون بدينك وحدكم في هذه البلد ! ولا تفرق عصا الأمن المركزي بين قفا أحدنا وقفا آخر في المظاهرات، ولا تكف دعاية الحزب الوطني عن إقناعنا بأن أولادنا (هانطمن على مستقبلهم) .. ومعاً معرضون لأكياس الدم الملوثة، والماء والهواء الملوثين، ومعاً نعاني من ارتفاع سعر الطماطم والسكر، إلخ إلخ .. الخلاصة إن فكرة كوننا شعب واحد ونعاني من نفس المشاكل فكرة بديهية لا تحتاج أن يدلّل عليها، ولكن المشكلة هو كل ما يقال إثر حادثة كهذه وما يتم تداوله بين الناس بسببها، تخيل فقط الأطفال الذين خرجوا من الكنيسة تحفهم مظاهر الاحتفال والفرحة، ليفاجئوا بهذا الانفجار وهذه المشاهد التي شاهدناها بأعينهم، ويفقدوا الأب أو الأخ أو الأم .. ثم يكبروا قليلا ليجدونك لا تهنئهم في أعيادهم، وتتجنبهم، وتخبر أولادك ألا يصاحبوهم في المدرسة، وتسخر من صلبانهم، ولا تحاول أن تقترب منهم بأي شكل أو بآخر، حاول أن تقنعهم في تلك اللحظة إذاً يا فالح بأن من قام بتلك الحادثة ليس مسلماً وأنه من المؤكد (كخة) من خارج البلاد.. وأن المسلم فلة شمعة منورة لا يفعل تلك الأشياء .. كيف ستقنعها وهي التي لم تر منك حسناً من قبل ؟ لو كانت ترى منك حسناً كانت ستصدقك أصلا دون أن تتكلم ..

تعلمنا من قبل أن الإعلام يستطيع أن يهدم في خطوة واحدة كل ما بناه التعليم في سنوات، ولنا في موقعة الجزائر خير دليل، ولا أقصد بالإعلام هنا الفضائيات فحسب، بل أقصد الكلمة المسموعة بوجه عام، الكلمة المسموعة ذات التأثير التي يتناقلها الناس فيحلون بها مشكلة في لحظات، أو يخربون بها العالم في لحظات أيضاً، الكلمة المسموعة التي تجعل ممثلا مثل عادل إمام يخرج في إحدى الإعلانات ويتقاضى مبلغاً مهولاً نظير أن يتحدث في ثوان عن أن: (كلنا واحد وإننا جامدين وحلوين وكل ما نتكلم أكتر في التليفون كل ما هانبقى أقوى وأحلى وتبقى شبكة الاتصالات دي رقم واحد) !.. بضعة كلمات كهذه كفيلة بأن تشعر بالفخر لانتمائك لهذه الشركة، وتسرع للاتصال بأحدهم تبثه أشواقك وحبك فوراً ! الكلمة المسموعة التي أسعى لها هنا والتي أرى أنها وحدها ستصلح ما أفسدناه على مدى سنين من الزيف والتخفي وراء شعارات غير حقيقية، هي الحب، إذا استطعت أن تحب صاحب الديانة الأخرى وتجعله يحبك، ستحل المشكلة، سيحدث انفجار واثنان وعشرة دون أن يهز هذا شعرة لديك أو لديه، فأنت تعلم أنك تحبهم وتعلم أنهم يحبونك، لن تصدق أبدا أن من يفعلها منهم، ولا منك .. فقنبلة الفتنة الطائفية لا تتفجر مرة واحدة، وإلا لانتهت مصر منذ زمن، بل هي تلسع ببطء، وتحرق، وتجرح، حتى لا يستطيع المصاب شيئاً سوى الانفجار في النهاية، والذي سيكون انفجارا أقوى بكثير جداً من كل ما فجرته هذه القنبلة .. أرجو ألا يحدث أبداً، وإن حدث فأتمنى أن أكون أول من يموت فيه، لأني لست مستعداً لأرى تبعات هذا الانفجار في حياتي أبدا ...

لولا ماشاهدته حين ذهبت في اليوم التالي من الحادثة لأتبرع بالدم من تهافت الناس على التبرع وسرعة توفير كمية الدم المطلوبة بزيادة في ساعات، لكان قد أصابني اكتئاب شديد لجم لساني، ومنعنى من الكلام، ولكن ما زال لدي أمل في أننا نستطيع أن نقلل من أصوات الجهلاء، ونستطيع أن نلمّ شتاتنا من جديد، بالكثير من المجهود، والكثير من الحب الحقيقي غير الزائف، المقتنع بحق الناس جميعا في الحياة سوياً، وأن الله وحده يملك حق التفريق بين كل واحد وآخر، وأنه ليس السبيل لتكون أفضل أن تعيب في الآخر، بل أن تكون الأفضل في ذاتك، فحسب ..