الثلاثاء، 29 مارس، 2011

حتى تعود مصر سيدة الأرض



حتى تعود مصر سيدة الأرض

.

.

مقالتي بمجلة الثقافة الجديدة : مارس - 2011

ثورة 25 يناير لم تكن كأي ثورة أخرى عرفها التاريخ، ثورة كانت هي الدليل القاطع على أننا لم نفقد شيئاً مما حاول حكامنا إفقادنا إياه طوال سنوات ماضية، لم نفقد إرادتنا وقدرتنا على الاتحاد وذكائنا وكرامتنا ورغبتنا الحقيقية في أن نكون أفضل، وتخطيطنا وقدرتنا على العمل الجماعي .. كما قامت تلك الثورة بصقل خبراتنا وقدرتنا على الحلم، وسعة الأفق والتضحية في سبيل ما نبتغيه .. وأكسبتنا الكثير جدا من الثقة في أنفسنا، ومساحات من القبول لكل مختلف عنا أصرت حكومتنا على الإيقاع بيننا وبينه طوال فترة حكمها لنا بمبدأ فرّق تسد، لنكره بعضنا بعضاً ولا يرتاح أحدنا في وجود الآخر، وهو المبدأ الذي لم يعد صالحاً للعمل الآن، بعد أن توحدت أهدافنا وتشابهت خطواتنا بشكل واضح وصريح، ولم يعد هناك معنى لكلام أو حتى حياة أحدنا لو لم يسع بكل جهده لكي تكون مصر أفضل، فخاب وخسر كل من حاول هدمنا أو شغلنا عن طريق الصواب كل هذه المدة، والمجد لكل من أشار لنا أن نخرج من طريق الصمت والخنوع الضال الذي كنا نسير به، ونحمد الله أن حِدنا عنه في ذلك اليوم المشرف الذي سنفخر به للأبد ..

أرى أن الشهداء الذين استشهدوا في تلك الثورة الكريمة حمّلونا عدة مسئوليات لا تقف عند البكاء عليهم والتأثر عند الحديث عنهم، ووصف محاسنهم وحكي حكاياتهم في أسى، واستمطار اللعنات على من قتلوهم ومن أمروا بقتلهم ومن سكتوا على قتلهم ومحاكمة كل أولئك بكل قسوة، رغم أهمية كل هذا، ولكن من المؤكد أن هذا ليس ما استشهدوا من أجله، لم أتشرف بمعرفة أي منهم للأسف ولكني أستطيع أن أجزم لك بأنه ما من أحد منهم وقف أمام مرآته قبل أن ينزل من بيته، وانتوى أن ينزل ليشارك بهذه الثورة ويموت فيبكي الناس عليه ويُحاسَب قاتليه وتتغير الحكومة، وينتهي الأمر عند هذا! فحين تتأمل في وجوههم وتحاول قراءة أعينهم، لن تبذل مجهوداً لتقرأ كل تلك الأحلام التي تطفو بأعينهم، ويبعثون بها الآن إليك، لتنفذها نيابة عنهم، وقد اغتالت يد الغدر أحلامهم، وأصبح السعي لتحقيق تلك الأحلام فرض عين على كل واحد منا، وإلا كانت خيانة منه لدمائهم الطاهرة الذكية التي روت أرض مصر بالعدل والخير والنقاء .. وسمحت لنفسي أن استخلص من بين تلك الأحلام الآتي :

1 – إسقاط الموروثات البالية الساذجة من طراز الرئيس الإله والرئيس الملهم والرئيس الأب ، التي تم بثها بيننا عبر عهود بحجة أن الرئيس يملك مقدرات الشعب، وهو من يقيم الدولة ويقعدها إن أراد وليس فقط يقوم بإدارتها وفقاً لاحتياجات شعبه وتنفيذاً لطلباتهم، فهو يخرج منهم وليس يخرج عليهم، وهذا طبقاً للعقد الذي يتم بينه وبينهم حين يقبل بهذه المسئولية والتكليف، وليس المكافأة أو التشريف له، فمصر ليست قطعة حلوى يكافأ بها من يحقق إنجازاً ما، فلا يُسأل بعدها عما يفعل بها .. بل هي مسئولية كبرى تمنح لمن يقدر عليها وتؤخذ منه حين لا يقدر عليها، وشعبه وحده من يحدد ذلك ويجب الإنصات إليه.

2 – الارتقاء بمستوى التعليم والبحث العلمي في مصر، فكل تلك الأمخاخ العاطلة و التي يتم تعطيلها على مدار سنوات في مصر يجب أن تفتح لها النوافذ لترى النور، وتساهم في تقدم هذا البلد، مضى زمن العصي والأسوار والحبس داخل المدارس لقضاء مدة الدراسة الإجبارية اليومية دون علم حقيقي يقدم بها، وهذا يلزمه الارتقاء بوضع المدرسين، وبمنهجية وضع المناهج الدراسية بالمدارس، يجب أن يصنع مستقبل مصر القادرون والمتيقظون وذوو النزاهة والمصداقية لدى الشعب، لا أن يصنعه المرتشون والفارغون وضيقوا الأفق ومنعدموا القدرة على الابتكار والتجديد، الذين لا هم لهم سوى مليء جيوبهم وكروشهم دون إفادة الوطن بشيء، وقد فسح لهم مجالا مفتوحاً في عهود الفساد الزائلة.

3 – نشر الوعي السياسي بين المصريين ليعرف كل مواطن ما له وما عليه وهذه مهمة السياسيين والمثقفين والإعلاميين، من دون تعالٍ على الناس أو توجيههم تجاه أيدلوجية وفكر معينين، بل شرح القوانين والسياسات التي يتم العمل بها بمنتهى الشفافية والحياد، وعلى الناس أن يختاروا ما يناسبهم.

4 – عودة المثقفين لدورهم الإساسي بين الناس، دون انفصال عن واقعهم ودون وضع حواجز تباعد بينهم تحت مسمى النخبوية أو تحت أي مسمى آخر، فالمثقف يحتاج النزول إلى الناس أحياناً، ليرتقوا هم إليه فيما بعد.

5 – ضبط الأوضاع الاقتصادية في البلد لتكون في أعلى مستوى إنتاجية ممكن، بالشكل الذي يتناسب مع قدراتها والتي نعلم جميعا أنها ليست بالقليلة أبداً، على الاقتصاديين أن يعملوا في تلك المرحلة بكل طاقاتهم، لتوجيهنا إلى سبل الارتقاء ببلدنا لتكون في المستوى الذي تستحقه وفي أسرع وقت ممكن، استغلالاً لإمكانياتنا ومنها قناة السويس مثلا، التي يجب أن تكون العملة المتداولة بها هي الجنية المصري لإعلاء قيمته، وأيضاً استغلال امكانياتنا الزراعية جيداً، للاكتفاء من محاصيلنا وخاصة القمح، واستغلال الأراضي غير المزروعة، التي أُهملت في السنوات الأخيرة، خاصة وقد استيقظت إرادة الشباب ولديهم المقدرة الآن على الحفر في الصخر، لكي تتقدم هذه البلد، وكلنا شاهدنا أكفأ وأرقى المستويات العلمية وهم يشاركون في تنظيف وتجميل ميدان التحرير وشوارع مصر بعد الأحداث الأخيرة، دون غضاضة في ذلك، وأيضاً الاهتمام بمصانع القطاع العام التي تم إهمالها بتعمد وتبجح واضحين، في سبيل مجاملة أصحاب القطاع الخاص الذين ينتجون نفس المنتجات، أو يقومون على نفس الصناعات .. وتُركت الساحة خالية لهم يفعلون بها ما يشاؤون تكريساً لفكرة الاحتكار، ومن ثم الاحتقار للمواطن.

6 – وجود جهاز مركزي قوي للمحاسبات ، يتمتع بالشفافية والنزاهة والاستقلال التامين، للرقابة على النقطة السابقة وغيرها، مع الإنصات إليه جيداً دون ترفع وغطرسة من السلطة التنفيذية، وقد كنا نشهد غطرستها تلك في السنوات الماضية، ورأينا ما آلت إليه الأمور.

7 – عودة الفنانين ولاعبي الكرة إلى وضعهم الطبيعي لدى الشعب، إلى مرفهين للشعب في الأساس، ومن أراد أن يتخطى دوره ذلك إلى دور أرقى، كمحرك ومرآة للشعب، فعليه أن يكون على قدر عال من الثقافة والتعايش مع الناس، والإدراك لحالتهم ووضعهم، لأن من يدَّعي الحرص على مصالح الشعب، والخوف عليهم – كما أظهر العديد خلال تلك الأحداث – دون أن يكون لديه القدر الكافي من الوعي والنزاهة ليفعل ذلك، فسيضع نفسه في حرج كبير، وكره كبير من أفراد الشعب، ولن يغفر له الناس ذلك.

8 – وجود مؤسسة إعلامية مصرية مستقلة، لا تخضع لتوجيه من أحد ولا يهمها سوى تقديم الحقيقة والمعلومة الصحيحة وفي أسرع وقت ممكن، وتوجيه الضوء على الأشخاص المجتهدين والمخلصين من أبناء البلد ليتعرف الناس عليهم جيداً، والاجتهاد في سبيل ذلك.

9 – أن يدرك كل إنسان قيمته وقدراته الحقيقية، ويعمل على استثمارها، وألا يحاول أحد أن يأخذ وضعاً أكبر من حجمه، ولا أن يوضع في غير مكانه الصحيح، فعلى من لا يفهم ما يجري جيداً، أن يصمت حتى يفهم وبعدها يتكلم، ويحترم الآخر الذي يختلف عنه، فربما يكون الفرق بينهما مجرد اختلاف في التوقيت، ولو تقابلا في ظروف أخرى فسيتفقا تماما على ما كانا يختلفان عليه، مثلما رأينا في ميدان التحرير والجميع تحت وطأة حرب واحدة، لم تميز بين أحد وآخر، واتحد الجميع تحت راية واحدة، وهي راية العدل، في مواجهة الظلم الواقع عليهم بكافة أنواعه.

10 قبول الآخر أياً كان، لا معنى للحجب او الرقابة أو التضييق على أي فكر كان، فلا يحارَب الفكر إلا بفكر آخر، وأي شيء يتم منعه يمكن الوصول إليه من طرق أخرى في هذا العصر، ولذا يجب السماح لكل التيارات والاتجاهات الفكرية للعمل وتقديم برامجها السياسية والإصلاحية والثقافية على الناس بكل حرية، وعلى الشعب وحده أن يختار ما يناسبه، مع العمل على تربيتهم ثقافيا وعلميا في نفس الوقت بتطوير كل من وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وأيضاً المواد التي يتم تقديمها في القنوات الفضائية، لأن ذلك هو ما يضمن الرقي الفكري للناس، وقدرتهم على الممارسة الفاعلة للحرية، وذلك سواء في الشارع أو في الأحزاب السياسية، لأن كل شيء هو مرآة لشيء آخر مكمل له.

11 إعادة تأهيل جهاز الشرطة بالكامل، لأن الوضع الذي كانوا فيه على مدى سنوات لا يؤهل أغلبهم سوى لأن يكونوا مرضى نفسيين، لا يفرقون بين المجرم، وبين المواطن العادي، وقد منحوا صلاحيات لا نهائية يستطيعون بها أن يمارسوا جميع أنواع القمع والترويع دون رقيب، ودون يد حازمة في التصرف مع خطاياهم.

12 – عدم السماح للفساد بأن يظهر ولو في أدنى صورة له، عدم السماح بالرشوة أو المحسوبية في أي مكان مهما قلت أهميته، ووضع كل مسئول امام مسئوليته الحقيقية، دون تفخيم له، ودون منحه ما لا يستحقه من مجاملات، فسيسهل هذا الحزم مهمة المحاسبين للفساد، وأخد الإجراءات ضد الفاسدين، فكلنا يرى الآن صعوبة محاسبة كل هؤلاء الفاسدين في الدولة وقد تغلغل فسادهم في كل سنتيمتر في البلد وفاحت رائحته، ومن الصعب الآن الإطاحة بهم جميعا مرة واحدة.

13 – عودة العلماء والدعاة والمصلحين والمفكرين الذين يستطيعون المساهمة في الإصلاح الواقعي والفكري على هذه الأرض، إلى ممارسة أنشطتهم بكل حرية، وقد منعتهم النظم السابقة طويلاً عن ذلك خوفاً من شعبيتهم، فالمنافسة يجب أن تكون منافسة جدارة وأحقية وإفادة، وليس مجرد منافسة على شعبية غير حقيقية، لا يمكن تحقيقها بالإرغام أبداً.

14 – عودة الأغاني الوطنية الحقيقية غير المزيفة، التي نغنيها حبا حقيقياً في الوطن، وليس لمجرد إلصاقها بحملات انتخابية، ومكاسب سياسية انتهازية، وانتصارات كروية سخيفة لاهية للشعب عن حقوقهم وواجباتهم.

15 القدرة على الحلم، أؤكد عليها من جديد، وأهمية المحافظة على الحلم وعدم سرقته ممن سعوا إلى تحقيقه بأي شكل كان، فالحالم يجب أن يحلم بحذر خوفاً من أن يعجز عن التصرف حين يتحقق حلمه، وألا يستطيع الحفاظ عليه من السارقين والقافزين، المتربصين بالحالمين دائماً، لعدم قدرتهم على الاجتهاد.

أكتفي بهذا القدر.. ويمكنك أن تتأمل في أعين الشهداء وقد وزعت صورهم في كل مكان، لتستقي منها أحلاما وأحلاما أخرى، نرجو أن نكون جديرين بها، ونحققها في أسرع وقت ممكن .. كفرض عين علينا يفرضه ما حققوه من إنجاز وتضحية .. والله الموفِّق.


ليست هناك تعليقات: