الخميس، 21 أبريل، 2011

أيــمــــن

أيــمــــن

(1)

رأيته قادماً في اتجاهي فأدركت أن اليوم لن يكون سهلاً، سألت نفسي لائماً عن سبب مروري بشارعهم الآن، وأنا أعرف الإجابة ... أسرعت الخطا تجاهه وصافحته واحتضنته، سمعته يغمغم بعبارات اللوم التي اعتدت سماعها منه في المرات القليلة التي قابلته فيها خلال العام الأخير، حيث هجرت بيتي القديم القريب منهم وانتقلت للمعيشة بمكان آخر، لامني على عدم سؤالي عنهم واختفائي، فاعتذرت له بحجج أوهى من أن أكمل جُمَلها لآخرها، حاولت تغيير دفة الحديث بسؤالي عن أخباره وتهنئته بالعيد، دعاني لركوب سيارته حيث سينتظر أفراد عائلته الذين سينزلون بعد قليل، يرتب السيارة من الداخل ويلقى ببعض الأوراق خارجها ويمسح زجاجها، دعوته أن يلتهم معي الساندوتشات التي كنت أحملها، وشرعنا في الحديث ...

(2)

يرتدي جلبابه الأبيض النظيف وغطاء الرأس الذي يبدو كبيراً على رأسه الصغيرة، يعاون أقرانه في فرش الحصر أمام المسجد في نشاط وقد بدأ الخطيب في أداء خطبته، ينظر تجاهي من حين لآخر وهو يغير ملامح وجهه ليضحكني فأتجهم لأغيظه ॥ ثم أبتسم ما أن يبعد نظره عني، أقوم وأساعده في فرش بضعة حصر أخيرة، وأشير له أن يجلس ويكف عن الحركة، فيضع سبابته أمام فمه محذراً إياي من التفوه بحرف طالما الخطبة تؤدُّى .. فأبتسم رغماً عني وأرغمه على الجلوس بجواري وأنا أوكزه تحت إبطه فيلتصق بي بحركة لا إرادية وهو يضحك، فأكتم فمه قبل أن تعلو ضحكته .. وأضمه لنستمع إلى الخطبة ..

(3)

سألني عمّا جاء بي إلى بيتنا القديم، فحدثته عن رغبتي في الانفراد بكتبي وأوراقي لبعض الوقت ॥ وفي بالي فكرة قصة لم أكتب حرفاً منها بعد، جرَّنا الكلام إلى الحديث عن الأمر رغماً عني، سرعان ما وجدتني في موضع الحكيم والناصح وأنا من ذلكما بريء، تلعثمت وأنا أتكلم ثم تذكرت مشهداً في إحدى أفلام عبد المنعم مدبولي حين كان طبيباً نفسياً، وأتاه رجلٌ قصيرٌ ليعالج من عقدة قصره، فأخبره أن يكرر جملة : " أنا مش قصير أزعة ، أنا طويل وأهبل " عدة مرات وحينها سيجد نفسه أطول بالفعل .. فضحكنا ضحكة منقوصة، ثم أكملت: أن هذا الأسلوب في العلاج يكون حقيقياً أحياناً حين نتعامل مع ما نحس، فالإيحاء يجعل خواطرنا أكثر سلبية أو إيجابية، ولو أخذت تردد أنك لن تقدر على تحمل الأمر و .......... واستمررت في ذلك الحديث المعلّب وهو يهز لي رأسه بالفهم ليظهر اقتناعه بما أقول، ولكني شعرت بحروفي تتخبط وتتهاوى من فمي بلا وعي مني .. وددت لو أخبره أنني قلت كل هذا الكلام لنفسي طويلاً بلا جدوى! ولكني تركت الكلام الفارغ يسد ما قد يحدثه الصمت في جلستنا من تصدّع ..!

(4)

" عاجباك الأغاني دي يا أيمن؟ ॥ أنا هاسمّعك اللى عمرك ما سمعته قبل كدة " أعلّي من صوت السماعات ، فيضحك بشدة من كلمات الأغاني البلهاء .. أغانٍ كنت أسمعها في طفولتي ولم يعاصرها هو، يدهشه أنني ما زلت أستمع إليها ويسخر مني، فأجذبه من يده وأجبره أن يرقص معي على صوتها بحركات ساذجة مضحكة، حتى نتساقط سوياً على الأرض ضحكاً " مسيرك تكبر وتعرف أهمية لحظات مجنونة زي دي .. لما تبقى مهم وشخصية مسئولة زيي كدة " فيقاطعني ساخراً: " أكيد مش هابقى زيك كدة أبداً " ثم يجاول تجنب يدي التي تطوله رغماً عنه وأدغدغه بغلظة وهو يجاهد للتملص ثم أسأله: " أمال عاوز تبقى إيه يا فالح؟ " .. فيشرد قليلاً، ويجيبني: " مش عارف ! مش عاوز أبقى حاجة !" أستغرب إجابته فأعدد له من المهن التي أراها مناسبة له بجدية متحدثاً عن ذكائه ومخه النظيف .. فيقاطعني ساخراً من كلامي بمقطع من أغنية شعبية شهيرة يحفظها ، فأقرصه وأؤكد له أنه لن يصير إلا (سواق توك توك) في أفضل الأحوال حين يكبر، فيضحك ضحكته المميزة .. يرحل بعد قليل مع أخيه ليعودا إلى منزلهما ..

(5)

شردت من نافذة السيارة أتطلع لمدخل البيت، فكرت في اللقاء المرتقب الذي أخشاه ولم يعد ثمة مفر منه، كيف سأحتفظ بوجهي في مواجهتها؟ ॥ وجدتها أمامي تقطع تصوراتي، خرجت من باب العمارة بعينيها اللائمتين تصوبهما تجاهي .. نزلت من السيارة مسرعاً وأنا أتحاشى عينيها، صافحتها وحاولت الابتسام .. لم أشعر بغباء وعجز تعابير وجهي إلى هذا الحد من قبل .. شعرت أنني أطول مما ينبغي لوقوفي على الرصيف، إلى جانب فارق الطول بيننا، وددت لو كنت قصيراً جداً في تلك اللحظة، لو أتضائل حتى أصير لدى قدميها بدّلت وضعي معها في حركة حاولت أن تكون مهذبة، فأصبح بصري بالقرب من مستوى بصرها .. " إزيك يا أمي؟ .. كل سنة وانتو بخير .. أ .. آسف على الفترة اللي فاتت .. كنـ .. كنت مـ ....." قاطعتني حركة يدها وهي تشيح برأسها يمينا ويساراً لا تتقبل أسفاً .. " مش انت اللى تعمل كدة ! " .. اجتهدت للبحث عن كلمة مناسبة .. نظراتي زاغت وقلبي يدق في عنف، فحاولت أن أربّت عليه في حركة عصبية، ويدى الأخرى حائرة لم أعرف أين أضعها! فتارة بجيبي، ثم جانبي، ثم حككت بها شعر رأسي .. شعرت بأوصالي تتفكك ...

(6)

أستيقظُ على رنين الهاتف، أسمع صوته وبكائه الصارخ فلا أميز حرفاً، أسأله أن يهدأ ويخبرني ماذا حدث ॥ يقشعر بدني من ارتجافة صوته ولكني أطمئنه وأطمئن نفسي .. " إن شاء الله خير .. أنا جاي لك " وفي دقيقتين ارتديت ملابسي وغسلت وجهي، أصله لأجده يرتعش وهو خالٍ من روحه أو يكاد .. " هو في المستشفى دلوقتي ؟ " يحاول أن يتماسك ويجيبني: " آه .. صحينا لقينا وشه مزرق، وبيتنفس بصعوبة ، أنا باجهزله هدومه عشان ألحقه، رجليا مش شايلاني .. أنا خايف يروح مننا ! " أحاول التهوين عليه، وأساعده .. أربّت على كتفه كي يتماسك ، ثم نذهب، وحين نصل نجده في سريره يبتسم ابتسامته الرائعة، لم يقلقه سوى وجوهنا الفَـزِعة، يخبرَنا الطبيب أنها أزمة تنفس عابرة، جلسنا نمزح معه، ونطمئنه ثم تأهبنا للعودة إلى البيت، لم أرد له أن يمشي فحملته بين يديّ طوال الطريق إلى هناك وأنا ألومه: " وزنك زاد يا ولد، لو عايز تعيا تاني، قلل وزنك الأول وإلا ماحدش هايسأل فيك، أنت فاهم؟" يسخر مني: " انت عارف تشيل نفسك؟ " أنهج وأنا أصعد السلم: " حاضر، لينا بيت يلمنا .. حاااااااااضر " وبعد أن نرتاح قليلاً نتذكر ما حدث باليوم الحافل ونغرق في الضحك .. وهو يتحرك بحرية فأجذبه تجاهي وأهدده لو أفزعنا عليه هكذا ثانية فسوف آتي لألتهمه بنفسي، وأنا أدغدغه كعادتي فيفلت مني ويختبيء في حضن أختيه اللتين يحميانه مني، أتهمهما مازحاً بأن دلعهما هذا سيفسده، وأتوعده أن يسقط بين يديّ ثانية .. " في سنك كنت بعضّ العيال من عينيهم يا بني .. يا مدلّع ، لازم تغلظوا عليه شويةً، عشان يخشوشن كدة أو تسيبوهولي" وأقرن كلمتي الأخيرة بمد يدي تجاهه فيصرخان و يخبئانه في حضنهما أكثر في فزع، فتعلوا ضحكاتنا ..

(7)

تعلّلت بشقاء الأمر عليّ رغم معرفتي باستحالة تقبل أعذاري، لم أمر بمثل هذا من قبل، عجزت أن أواسي أحداً في ذلك وأنا بالكاد حاولت مواساة نفسي ولم أفلح، أسمع همهماتها وأذني تعمل بأقل طاقتها، أسمع صوته منادياً اسمي من مكان ما، خشيت أن أتلفت وهي تكلمني ॥ شعرت بخطواته حولي وأنه سيوكزني في ظهري ويجري كما يحب أن يفعل، رأيت طفلين يسيران أمامي، ورأيته أحدهما .. نفس حجمه ومشيته وشعره الناعم .. لو فقط ينظر ناحيتي ! زاغ بصري أكثر وعجزت عن متابعة حديثها، أرد عليها بكلام لا أميز حروفه .. وبصري يتابعه من جديد: أهو ... ؟

(8)

يأتيني اتصال فجراً من أحد أصدقائي الذي قلما يتصل بي .. أرد متوقعاً مقلب بشكل أو بآخر، ولكنه يلقنني الخبر، كنت مندمجاً في كتابة نص ساخر وغارقاً في الضحك حتى النخاع، لا أصدق ما يقول وأصرخ فيه ألا يمزح في هذه الأمور، ثم يبدأ صوتي ينخفض تدريجياً مع صوته الواهن الجاد، حروفي تتلعثم .. أمد يدي أضغط على زر إيقاف أغاني الأطفال التي أستمع إليها، أكررها على أذنيه عدة مرات: " بتكلم بجد ؟ .. بتكلم بجد ؟ " وهو يقسم لي المرة تلو المرة، فأخذنا نحوقل سوياً حتى لم نجد ما نقوله .. تداخلت السطور بعضها البعض في الورق الذي أمامي .. " وإمتى الدفنة؟ .. والجنازة ؟ وهما عاملين ايه؟ أكيد .. طبعاً .. أكيد .. لا إله إلا الله .. ماشي .. طبعاً مش هنام .. حاضر .. سلام .. " .. شيء ما يجعلني لا أصدق، غير قادر على الاستيعاب .. وقفت ودرت حول نفسي عدة دورات .. إنها مزحة سخيفة لا شك، لطمت نفسي لأتأكد أنني متيقظ، بضعة لطمات .. أنتظر أن أسمع تتر النهاية .. أو منبه الإيقاظ ، أو رجوع الأحداث إلى الخلف .. لا شيء من هذا يحدث ولكني لا أصدق رغماً عن ذلك .. باقِ على موعد الدفن وقت طويل ويستحيل أن أستطيع النوم الآن .. ماذا أفعل إذا ؟ اعتدت مشاهد معينة في الأفلام والمسلسلات عند حدوث مثل تلك المواقف، أيها يمكنني أن أفعل الآن ؟ أصبحُ فجأة بطل المشهد .. لا أود أن أنهار، ليس الآن على الأقل .. أقرر أن أكمل ما كنت أفعله .. النص الساخر ! نعم .. وهل من سخرية أكبر من هذا ؟ أشرع في إكماله متوقعاً أن أنهار في أية لحظة فأصرخ وأمزق الورق .. ولكني أجدني جامداً تماماً .. فقط دمعاتي تجاهد للتحرر من عينيّ وهي أوهن من ذلك وأكمل ما بدأت !
كوعاء ملآن عن آخره وفرغ تماماً فجأة كنت أنا في هذه اللحظة، أشعر بالخواء التام، وخلوي من قطرة إدراك واحدة ॥ تتداخل في ذهني الصور والوقت يمضي، النص الساخر .. عبد المنعم مدبولي .. أغنية الليلة الكبيرة .. أيمن يقوم بقيادة التوك توك .. سرعان ما أراه راقداً يغطيه رداء أخضر على محفة صغيرة يحملها العشرات، أجاهد لأضع يدي بين أيديهم المذهولة، وزنك أخف الآن بكثير يا أيمن ! .. أصوات تدعو له بالمغفرة .. يوارونه التراب .. يناديه أخوه من جواري : " أيمن ! رد عليّ يا أيمن " .. يسألونه أن يتماسك ويهزه أحدهم: " كفاية .. استغفر الله! كفاية .. " وأنا وجهي كصخرة صماء بلا أدنى معالم، ولا أتفوّه بحرف .. عيناي تدوران حولي كأنني في شاشة عرض عملاقة لا أشارك فيما يدور بها ..

(9)

أنقذتني ابنتها من عناء محاولاتي للنطق بجملة مفيدة ودوران عينيّ الموشكتين على الهروب من وجهي ॥ سألتني عن أحوالي وابتعدنا خطوتين عن أمها التي انشغلت بالحديث مع زوجة البواب .. حدثتها عن اللقاء الذي كنت أخشاه منذ زمن وها قد حان .. عن الذنب الذي حملته وحدي على مدار عام فأُثقل عليّ .. عن المأساة الأزلية في أن تظل تسأل نفسك عن الكلمات المناسبة التي تقال في مثل هذا الموقف .. فتعجز ويطول صمتك .. ويتأخر الحين الذي يجب أن تتحدث فيه .. ثم تبدأ بالإضافة إلى هذا تبحث عن عذر يبرر تأخرك .. فتتأخر أكثر .. وأكثر .. حتي يستحيل ظهورك .. ويعجز لسانك تماماً عن التفوه بحرف، أخبرتني أنها تفهم ما بي، وتقدر هذا وتؤكد لي أن أمها يستحيل ألا تسامحني .. " ماتحملش نفسك فوق طاقتك" .. وابتسمتْ .. فشردتُ قليلاً بمدخل العمارة .. لأتذكر ...

(10)

الآهات والأنين واللون الأسود وملايين الخواطر التي تجتث عقلي من بداية اليوم شيء ॥ وملامح وجهها وهي جالسة تتلقى العزاء شيء آخر .. أقف على مسافة من باب الشقة المفتوح ويمتد بصري مختلطاً بالسواد من حوله وينصب على وجهها الأحمر المختنق في جلال صمته، ويغلف أذنيّ صوت واحد كالأزيز .. يختلط فيه نواحهن والنهنهة الصادرة من بعضهن، وعبارات المواساة المكررة .. تصطدم ببعضها البعض في أذنيّ، تتجمد خطواتي وأتراجع، من المستحيل أن أقول شيئاً، ولن أقوى على البقاء صامتاً .. تكاد تزل قدمى على السلّم وأنا أتراجع بظهري، فأنتبه وأستند على الحائط، أركز بصري عليها ثانية، عيناها جامدتان لا تنظران إلى شيء، ربما جفتا من الدموع .. وبنتها ملتصقة بها تحتضنها .. تحاول أن تصبرها وهي ترتجف مثلها .. فلم أنتبه إلا وأنا أنزل درجات السلم مسرعاً كأنني أجري .. أخبر صديقي أنني لا أود أن أن أثقل عليها الآن، سآتي فيما بعد .. أرضي نفسي بأنني سأجهز كل الكلام الذي يمكن أن يقال وآتي فيما بعد، أي شيء يمكن عمله فيما بعد .. " انت محتاج أي حاجة ؟ .. لو احتجت أي حاجة كلمني ! " .. أودّعه وأمضي وهروبي جليّ لا يلحظه غيري .. هروب دام لعام كامل ..! هروب من موت لم أختبره من قبل ولم يمهلني فرصة لتدبره أو للتفاهم معه، لطمة أذهلتني عن أي فعل صائب يمكن فعله، وها هو الموت الذي كنت أفر منه، ها أنا ملاقيه ...

(11)

ابتسمتْ لي وأخبرتني أنها لامتني فقط لأنني ابنها، وسألتني ألا أحزن منها .. " المهم تسامحيني يا أمي " ربتت على يدي ودعتني أن آتي معهم فشكرتها .. أعطتني بعض الحلوى التي اشترتها من الدكان المجاور .. وودّعوني وهم يتمنون لي عيداً طيباً، وأنا قد تفككت تماماً، لم أعد أميز شيئاً مما حولي، أسرعت الخطى تجاه منزلي وأنا أرتجف، ألقيت ما أحمله جانباً وارتميت أرضاً، لتتحرر دموعي لأول مرة بعد كبت طويل، فأترك لها زمام الأمور .

17-11-2010