الأحد، 28 يونيو 2015

اليمامة هند

اليمامة هند تركت العمارات كلها واختارت عمارتي، تركت المنور بمواسيره وأركانه وأنشأت عشّها الصغير ـ حيث وضعَت بيضتها الوحيدة فيما بعد ـ على إفريز الشّباك الذي يقع فوق رأسي مباشرة حين أنام، بعد عدّة زيارات زارتها لي.
لم أكن أفهم ما تفعله، ظننتها مثلي تبحث فقط عن الصُّحبة، وبدأت أهتمّ بها في ثالث زيارة لمّا لاحظتُ القشّ والأغصان الصغيرة التي تجمّعها، فاطمأن قلبي إلى أنّ زياراتها ستتكرّر.. العابرون سريعًا تاركين بقايا عشمٍ مهتريء مُوجِعون كما نعلم، وكمحترف في وضع الحواجز اعتدّت ألا أتعشّم فيهم كثيرًا، لكنّي وثقت بها ما أن رأيت العشّ، فهمت ثقتها فيّ، فبادلتها إيّاها بالتبعيّة..في البدء كانت تطير ما أن أقترب من الشباك لأفتحه أو أغلقه، جلبًا للنسيم في الصباح أو طردًا للبرد في المساء، حين أبتهج فأحاول إدخال العالم إلى رئتيّ، أو حين أودّ أن أبتعد عن دوشة الجيران/أبعدهم عن دوشة موسيقاي/ عن صوت شرحي في ورشي الأونلاين لأبنائي، شيئًا فشيئًا اطمأنّتْ وأصبحتْ تكتفي حين أقترب منها بالالتفات إليّ برأسها تدور حول محورها، ونظرة عينيها الجاحظتين تدرّج الذعر فيهما إلي فهم، والدهشة إلى اطمئنان، بل ولا أبالغ حين أقول أنني رأيت فيهما بعض الأسئلة في الأيام التالية،ولأننا لا نحتاج إلى التركيّة في حوارنا، بدأت أشرح لها في تلك الزيارات القليلة ما أفعله، وأجيب عن أسئلتها، اعتذرت لها عن أنني كنت أفتح الشباك وأغلقه في رعونتي المعتادة، فأفزعتها في أوّل يومين قبل أن أعتادها، لماذا أتحرّك بهذا الهدوء المبالغ فيه على الأوراق، بينما سائر حركاتي عصبيّة؟ أجري لأعدّ لنفسي السحور بطريقة "أي حاجة في رغيف" قبل دقائق من الأذان، بسرعة لا ينافسني فيها بروس لي في عزّه، قبل أن ينزعني أذان الفجر مما بين يديّ ولا أستطيع أن أكمل ما أعدّدته في كل مرة! دائما أهرول لألحق شيئًا ما، أغيّر ملابسي بسرعة حين أهمّ بالخروج كأني أفرّ من زلزال، وأضع أشيائي في الدرج بسرعة حين أعود كأن ورائي عصابة من المطاردين! صيحاتي الخائبة/الظافرة بين تصميم فشلت فكرته وتصميم تحقّق كما أريد، سبّي وقذفي ما أن أصحو من النوم لنفسي ولمن تزورني في الحلم دون أن آذن لها! ضحكاتي المجنونة التي أوجّهها لسماء الغرفة أثناء مشاهدة حلقة من حلقات فريندز أو فيلم ما أو فقط لفكرة طافت ببالي، كل شيء أفعله مزعج وممتليء بالحركة والصخب، فقط وأنا ممسك بالقلم أكون بهذا الهدوء والسكينة أيّا كان ما يعتمل في ذهني..حكت لي هند عن الشجر الذي مرّت به لتصنع هذا العشّ، عن هجرتها لبلدتها القديمة حيث كل من تعرفهم، وسعيها جلبًا لأجود القشّ والأغصان، عن حرفيّتها في اختيار المناسب ليصير مهدًا لها ولذريّتها، وأملها الكبير الذي تتكيء عليه، خسرت الكثير من قبل وتركت كل شيء حتى تجيء إلى هنا، في تلك المساحة الصغيرة الضيّقة يقبع حلمها، لم يحتاج أحدُنا أن يزايد على الآخر، نكتفي بالابتسام لبعضنا البعض، استمعت معي للأبنودي رحمه الله، وهو يقول على لسان الأسطى حراجي: "والنبي من جهة الهدّة هدّة، لكن راس الواحد زي ما اكون بتلفّ فـ حلم!" تفهمينني ولا تزايدين عليّ ولا تدّعي الحكمة، تفهمين أن الأصل في الأشياء الصمت، وبيننا كثير منه، أكثر بركةً من صخب دائر من حولي..سألتني من جديد عن الفارق الشاسع بين هدوئي في الكتابة وعصبيّة حركاتي، أخبرتها أنني كنت أتمنى أن أكون نحاتًا كمايكل أنجلو، أنجلو كان يحكي أنه يصنع تماثيله أحيانًا في فورة من الغضب، يقول أنه يكره هذا الحجر الحاجز بينه وبين تمثاله، تمثاله الذي تمكّن من مخيّلته ولا يصبر على رؤيته رأي العين، كذا حالي والحروف تصطرع مع بعضها البعض في ذهني باغية الانكشاف في أبهى حلّة وزينة على الورق، لكنّي لا أستطيع أن أتحرّك على الورق بغضب أنجلو وهو يضرب بالإزميل.. وأنا لديّ الكثير من الغضب يا هند! غضب لم يمحيه البعد عن مسبّباته، ربما لذلك يخرج شيءٌ من هذا الغضب في باقي حركاتي، ولكن ليس في الكتابة، الجزء من المللي يفرق في الخط العربي كما ترين، به تنضبط أو تفسد انسيابية الحرف، تصطدم رحلة العين بهنّة في الشكل لا تهوّنها سائر محاسنه،أتعلّم السكينة منك، أغلق النافذة وأفتحها كل يوم في هدوء لكيلا أُزعجك، حين أَوَد الاستماع إلى موسيقى الميتال أضع السمّاعات في أذنيّ، وأدعك تستمعين معى إلى فيروز وأم كلثوم، وابتهالات محمد عمران، ربمّا تسمّين مولودك الجديد على اسمي! واحدة مثلك وأخرى معها وبيت من العنكبوت أنقذت أسوتي وصاحبه يومًا ما في هجرتهما، حين التحفوا بباب كهفهما، فحموهما، تذكّرينني بالنهيِ الهاديء المتيقّن: لّا تحزن إن الله معنا! أؤمن بهذا، ولكن فقط لو يقترب الله قليلا.. قليلا فحسب، ذراعي قصيرة لا أدري حين أتقرّبها إليه هل يتقرّب باعًا كما يعدُ في حديثه أم لا، لا أُشكّك في وعده حاشا لله، ولكنّي أُشكّك في ذراعي، هل هذه ذراع؟ ما أقصرها وما أوهن ما تقدر عليه، محمّلة بالآثام حتى أُُنهكَت، تلهث ملتاعة في كتابة الآيات ليل نهار لعلّها تزيح بعضًا ممّا قد سَلَف، ولا أرى سوى نقاطًا بيضاء وسط سواد،أعتقد أنك أقرب منّي إليه، تطيرين في سمائه كل يوم وتنعمين بخيره وآياته، ولا يُفتنك عنه شيءٌ، بحق حرصي على عدم إزعاجك في هذه الأيام، حين تبتهلين إليه كي يحنو على وليدك ويعطف على أجنحته الصغيرة حتى تتكوّن، ويمنحه القدرة على الطيران، فلتدعي لي معه، أن يهبني كذلك شيئًا من هذه القدرة، ويحنو عليّ.







ليست هناك تعليقات: